Make your own free website on Tripod.com

القول الرائد

في أن الحجاب الشرعي من الفرائض

حسن بن تركي بن سعد الشيخ

المقدمة

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده نبينا ورسولنا محمد وعلى آله وسلم.

وبعد:

فإن الله شرع لنا الشرائع وحد لنا الحدود في كتابه العزيز وعلى لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنته المطهرة وترك أمته على البيضاء ليلها كنهارها وأمر صلى الله عليه وسلم بالتمسك بهما وبسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده.

فقد روى الإمام مالك والحاكم في المستدرك وغيرهما ولفظ الحاكم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض".

وروى أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح عن أبي نجيح العرباض بن سارية عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه:((فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ)) الحديث.

فلا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها والسير على منهج الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام وطريقتهم وسلك سبيلهم القويم.

ومن هذه الشرائع الربانية وتعاليم الدين الحنيف التي أنزلها الله على قلب سيد المرسلين وأوجبها على نساء المؤمنين، الحجاب الشرعي.

وأقول الحجاب الشرعي لأن هناك حجاب غير شرعي ومخالف لما أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم والذي كثر في هذا الزمن المتشبثين به من غير علم شرعي صريح ومنطلق علمي صحيح.

فمن باب النصح لإخواننا المسلمين وإظهار حقيقة الأمر أقدم بين يدي إخواني هذا الكتاب المتواضع وقد سميته (القول الرائد في أن الحجاب الشرعي من الفرائض).

أسأل الله أن ينفع به وأن يكون سائقاً لقارئه إلى الحق والصواب وأن يوفقنا والمسلمين أجمعين إلى ما يحبه ويرضاه ويجنبنا ما يسخطه ويأباه والحمد لله رب العالمين.

تمهيد

وقد حذر رسول الله أمته من ما يخافه عليهم غاية التحذير ومن ذلك لما كانت الفتنة بالنساء هي أضر الفتن على الرجال أمرهم باتقائهن وسد الذرائع الموصلة إلى الافتتان بهن وهذا من كمال نصحه لأمته صلى الله عليه وسلم وشدة شفقته عليهم وخوفه عليهم من ذلك.

فقد جاء في الصحيحين ومسند الإمام أحمد عن أسامة بن زيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء).

وفي رواية لمسلم قال عليه الصلاة والسلام:(ما تركت بعدي في الناس فتنة أضر على الرجال من النساء). قال الترمذي هذا حديث

حسن صحيح.

وأمر صلى الله عليه وسلم باتقائهن، كما في صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون فاتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء). وروى الديلمي عن معاذ رضي الله عنه مرفوعاً:(اتقوا النساء فإن إبليس طلاع رصاد وما هو بشيء من فخوخه بأوثق لصيده في الأتقياء من النساء).

ومن الآثار عن بعض الصحابة رضي الله عنهم. ما روى الإمام أحمد في الزهد عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال:(النساء حبالة الشيطان).

وذكر ابن كثير في تاريخه عن الهيثم بن عدي أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال في النساء:(تزيغ القلوب وتطمح إليها الأبصار وهي مصايد الشيطان).

وروى أبو نعيم في الحلية عن سعيد بن المسيب أنه قال:(قد بلغت ثلاثين سنة وما شيء أخوف عندي من النساء وكان بصره قد ذهب).

وقال الإمام أحمد في الزهد عن مالك قال: بلغنا أن سليمان بن داود عليهما السلام قال: لابنه يا بني:(امشي وراء الأسد والأسود ولا تمشي وراء امرأة).

وذكر الحافظ ابن الجوزي عن سفيان الثوري أنه قال:(إئتمني على بيت مملوء مالا ولا تأمني على جارية سوداء لا تحل لي).

وروى أبو نعيم في الحلية من طريق عبد الرزاق أخبرنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه في قوله تعالى:{وخلق الإنسان ضعيفا} قال في أمور النساء.

وروى ابن أبي حاتم من طريق سفيان عن ابن طاوس عن أبيه في قول الله:{وخلق الإنسان ضعيفا} قال في أمر النساء. أ. هـ.

ولما كان الأمر كذلك فقد حرم الشرع النظر إلى الأجنبية وأوجب عليها الحجاب الشرعي بأن لا يرى منها شيء ولا ظفرها فإن المرأة كلها عورة.

وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن الإمام أحمد رحمه الله قال: كل شيء من المرأة عورة حتى ظفرها. قال الشيخ وهو قول مالك. أ. هـ ك.

وهذا الذي دلت عليه الأدلة الشرعية وعليه العمل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كما سيأتي إن شاء الله تعالى.

من أجل ذلك فقد حرم الشرع التبرج وجعله من الكبائر، وهو إظهار المرأة زينتها ومحاسنها للرجال الأجانب، ولما فيه من التشبه بأهل الجاهلية الأولى قال تعالى:{ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى} وهذا الخطاب وإن كان موجهاً إلى أزواج النبي عليه الصلاة والسلام ونهيهن عن التبرج والسفور فإنه عام كذلك إلى جميع نساء هذه الأمة.

وقوله تعالى:{ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى}.

فقد ذكر أبو حيان في تفسيره عن الليث أنه قال: تبرجت أبدت محاسنها من وجهها وجسدها ويرى مع ذلك من عينها حسن نظر.

وعن مقاتل أنه قال: تلقي الخمار على وجهها ولا تشده.

وعن المبرد أنه قال: تبدي من محاسنها ما يجب عليها ستره. أ. هـ.

والتبرج: هو كما قال غير واحد من المفسرين وأئمة اللغة وغيرهم هو: أن تظهر المرأة زينتها ومحاسنها للرجال الأجانب وكان نساء الجاهلية الأولى يفعلن ذلك فنهى الله عنه.

ومعلوم أن الوجه هو مجمع محاسن المرأة وجمالها من أعين وأنف وفم وخدين من بياض وسواد وغير ذلك، فإذا كان الأمر كذلك فإنه يجب ستره ويحرم كشفه للأجانب. إلا ما استثنته السنة من النظر إلى المخطوبة من وجه وكفين وقدمين للخاطب دون غيره كما سيأتي إن شاء الله تعالى.

قال المناوي: في تعليق على حديث: (المرأة عورة) أي هي موصوفة بهذه الصفة ومن هذه صفته فحقه أن يستر ويستقبح تبرزها وظهورها للرجال. أ. ص. ك. قال أبو حيان حقيقة التبرج إظهار ما يجب إخفاؤه ولو غير قاصدات التبرج. أ. هـ.

فما هو الحجاب الإسلامي الشرعي الصحيح الواجب على المرأة المسلمة:

- الحجاب في الإسلام: ستر البدن بما فيه من الوجه واليدين والكفين. لأن محاسن وجمال المرأة في وجهها، ليكن هذا الحجاب الحصن الحصين الذي يحمي المرأة والسياق الواقي الذي يعصم المجتمع من الافتتان.

والحجاب وسيلة والغاية من تلك الوسيلة هي محافظة المرأة على نفسها والبقاء على مروءتها وعفافها وإبعادها عن مواطن الشبه وأن لا تُفتن بغيرها وأن لا يُفتن غيرها بها وأن تكون بعيدة عن اختلاطها بالرجال الأجانب. هذا هو معنى الحجاب في الإسلام والذي جاءت به السنة والقرآن.

وقد تضافرت ووردت الأدلة من الكتاب والسنة المطهرة على وجوب احتجاب النساء عن الرجال الأجانب وتغطية وجوههن وجميع أبدانهن، وسنورد الأدلة على هذا إن شاء الله تعالى والله ولي التوفيق.

فصل

أولاً: الأدلة من القرآن الكريم

فمن أدلة القرآن:

1- قوله تعالى: {وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن}. سورة النور، الآية: 33.

وبيان الدلالة من عدة وجوه:

أولاً: إن الله نهى عن إبداء الزينة مطلقاً إلا ما ظهر منها وهي التي لابد أن تظهر كظاهر الثياب ولذلك قال إلا ما ظهر منها ولم يقل إلا ما أظهرن منها، ثم نهى مرة أخرى عن إبداء الزينة إلا لمن استثناهم فدل هذا على أن الزينة الثانية غير الزينة الأولى، فالزينة الأولى هي الزينة الظاهرة التي تظهر لكل أحد ولا يمكن إخفاؤها والزينة الثانية هي الزينة الباطنة التي يتزين بها ولو كانت هذه الزينة جائزة لكل أحد لم يكن للتعميم في الأولى والاستثناء في الثانية فائدة معلومة. والزينة الثانية هي قوله: {ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن} أي الزينة الباطنة وهي ظهور الوجه والأيدي والحلي ونحو ذلك لأن المرأة لا يجوز لها أن تظهر غير هذا لأب الزوج أو إخوانها ومن استثناهم الله عز وجل في هذه الآية. وقد قال عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه ولا يبدين زينتهن قال: لا خلخال ولا شنف ولا قرط ولا قلادة. إلا ما ظهر منها قال: الثياب. رواه أبو بكر بن أبي شيبة والحاكم من طريقه وقال هذا حديث صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي في تلخيصه.

قال ابن كثير رحمه الله: أي لا يظهر منها شيئاً من الزينة للأجانب إلا ما لا يمكن إخفاءه، قال ابن مسعود رضي الله عنه: كالرداء والثياب يعني على ما كان يتعاطاه نساء العرب من المقنعة التي تجلل ثيابها وما يبدو من أسافل الثياب فلا حرج عليها فيه لأن هذا لا يمكنها إخفاؤه، ونظيره في زي النساء ما يظهر من إزارها وما لا يمكن إخفاؤه. وقال بقول ابن مسعود- هذا-: الحسن وابن سيرين وأبو الجوزاء وإبراهيم النخعي وغيرهم. انتهى كلام ابن كثير رحمه الله.

وجه الدلالة الثاني من هذه الآية:

قوله: {وليضربن بخمرهن على جيوبهن}.

وبيان ذلك أن المرأة إذا كانت مأمورة بسدل الخمار من رأسها على جيبها لتستر صدرها فهي مأمورة ضمناً بسترها ما بين الرأس والصدر وهما الوجه والرقبة وإنما لم يذكرا ههنا للعلم بأن سدل الخمار إلى أن يضرب على الجيب لابد أن يغطيهما، وكذلك فإنه إذا وجب ستر الصدر والنحر فإنه يكون ستر الوجه من باب أولى لأنه موضع الجمال والفتنة.

وقد قال فضيلة الشيخ محمد العثيمين- رحمه الله- ما نصه: (إن الوجه هو موضع الجمال طلباً وخبراً فإذا كان كذلك فكيف يفهم أن هذه الشريعة الحكيمة تأمر بستر الصدر والنحر ثم ترخص في كشف الوجه). أ. هـ. كلامه- رحمه الله-.

وإذا كانت المرأة مأمورة بستر ما عليها من الحلي عن نظر الأجانب خشية الفتنة فلأن تؤمر بستر وجهها الذي هو مجمع محاسنها وسبب الافتتان بها فإنه أولى وأحرى، ولهذا عقب تبارك وتعالى نهي النساء عن إبداء زينتهن عقب هذا بالأمر بأن يضربن بخمرهن على جيوبهن ليسترن وجوههن ورقابهن، فجمعت الآية بين ستر الزينتين ففي الجملة الأولى ستر الزينة المجلوبة وفي الجملة الأخرى ستر الزينة الخَلقية.

وقد روى البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: يرحم الله نساء المهاجرات الأول لما أنزل الله: {وليضربن بخمرهن على جيوهن} شققن مروطهن فاختمرن به. ورواه أبو داود في سننه.

قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: قوله: (فاختمرن به) أي غطين وجوههن وصفة ذلك أن تضع الخمار على رأسها وترميه من الجانب الأيمن على العاتق الأيسر وهو التقنع. أ. هـ. كلامه في فتح الباري شرح صحيح البخاري ج 8 ص 490.

وقال الفراء: كانوا في الجاهلية تسدل المرأة خمارها من ورائها وتكشف ما قدامها فأمرن بالاستتار. أ. هـ. كلامه.

وقال الحافظ أيضاً في تعريف الخمر ومنه خمار المرأة لأنه يستر وجهها انتهى.

وروى ابن أبي حاتم وأبو داود وأصله في صحيح البخاري وهذا لفظ ابن أبي حاتم من حديث صفية بنت شيبة قالت بينما نحن عند عائشة قالت رضي الله عنها: (إن لنساء قريش لفضلاً وإني ما رأيت أفضل من نساء الأنصار أشد تصديقاً لكتاب الله ولا إيماناً بالتنزيل لقد أنزل: {وليضربن بخمرهن على جيوبهن} انقلب رجالهن إليهن يتلون عليهن ويتلوا الرجل على امرأته وابنته وأخته فما منهن امرأة إلا قامت إلى مرطها المرحل فاعتجرت به إلى أن قالت فأصبحن وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم معتجرات كأن على روسهن الغربان).

وقولها: فاعتجرت به، الإعتجار هو لف الخمار على الرأس مع تغطية الوجه.

قال ابن الأثير:

وفي حديث عبيد الله بن عدي جاء وهو معتجر بعمامته ما يرى منه إلا عينيه ورجليه والاعتجار بالعمامة هو أن يلفها على رأسه ويرد طرفها على وجهه ولا يعمل منها شيئاً تحت ذقنه. أ. هـ. كلامه.

وجه الدلالة الثالث من هذه الآية:

إن الله تعالى رخص بإبداء الزينة الباطنة للتابعين غير أولي الإربة من الرجال الذين لا شهوة لهم وللطفل الصغير الذين لم يبلغ الشهوة ولم يطلع على عورات النساء فدل هذا على أمرين:

الأول: إن إبداء الزينة الباطنة لا تحل لأحد من الأجانب إلا لهذين الصنفين- ولا ريب أن المقصود بالزينة الوجه والكفين ونحوهما.

الثاني: أن علة الحكم ومداره على خوف الفتنة بالمرأة والوجه هو موضع الحسن والجمال فيكون الوجه موضع الفتنة فيكون إذا ستره واجباً لا جائزاً ولا مستحباً وكشفه محرماً لئلا يفتتن به أولو الإربة من الرجال.

وجه الدلالة الرابع من هذه الآية:

قوله عز وجل في آخرها: {ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن}: يعني لا تضرب المرأة برجلها فيعلم ما تخفيه من الخلاخيل ونحوها مما تتحلى به للرجل فإذا كانت المرأة منهية عن الضرب بالأرجل خوفا من الفتنة وافتتان الرجال بها فكيف بالوجه والأيدي وما فيها من الحلي، أيهما أعظم فتنة أن يسمع الرجل خلخالا بقدم امرأة أو يرى وجه سافر وأكف سافرة ممتلئة شبابا ونضارة، أي الفتنتين أعظم وأحق بالستر والإخفاء؟

وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم لما سألته أم سلمة رضي الله عنها قالت: وكيف يصنع النساء بذيولهن قال: يرخينه شبرا قالت: إذن تنكشف أقدامهن قال: (يرخين ذراعا ولا يزدن عليه).

ففي هذا الحديث دليل على وجوب ستر قدم المرأة وأنه أمر معلوم عند نساء الصحابة رضي الله عنهم، والقدم أقل فتنة من الوجه والكفين بلا ريب ولا منازع.

فالتنبيه بالأدنى تنبيه على ما فوقه وما هو أولى منه بالحكم، وحكمة الشرع تأبى أن يجب ستر ما هو أقل فتنة كالقدمين ويرخص في كشف ما هو أعظم منه فتنة كالوجه فإن هذا من التناقض المستحيل على حكمة الله وشرعه المطهر.

2- الدليل الثاني من القرآن الكريم على وجوب الحجاب:

قوله تعالى: {والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وأن يستعففن خير لهن والله سميع عليم}. سورة النور، الآية: 60.

فإن الله تعالى نفى الجناح وهو الإثم عن القواعد وهن العواجز كبار السن اللاتي لا يرجون نكاحاً لعدم رغبة الرجال بهن نفى الله الجناح عنهن في وضع الثياب ومن المعلوم قطعاً أنه ليس المراد بوضع الثياب أن يبقين عاريات وإنما المراد وضع الثياب التي تكون فوق الدرع ونحوه والتي تستر الوجه والكفين ونحوهما. وتخصيص الحكم بالعجائز دليل على أن الشواب اللاتي يرجون نكاحاً يخالفنهن في الحكم وأن عليهن جناح وهو الإثم في وضعهن الثياب وسفور الوجه والكفين وإذا كان الأمر كذلك فإن تغطية وستر وجوههن وأكفهن أي الشابات فإنه واجب وليس مستحب، ومعلوم أن الجناح والإثم لا يكون إلا على من ترك واجب أو فعل محرم، وأن من ترك مستحباً فلا جناح ولا إثم عليه في ذلك ثم إنه لوكان الحكم شاملاً في هذه الآية للعجائز والشواب في جواز وضع الثياب وكشف الوجه لم يكن لتخصيص القواعد والعجائز فائدة. ثم أنه مع ذلك كله قال الله تعالى: {وأن يستعففن خير لهن}: أي يستعففن عن وضع الثياب خير لهن مع كبر سنهن وانقطاع طمعهن في الزواج وكونهن غير متبرجات بزينة أيضاً مع كل هذا لو إستعففن خيرلهن، فكيف بالشابات اللاتي يرجون نكاحاً ووجوههن المضيئة حسناً وجمالاً بما يجلب الفتنة ويدعوا إليها.

قال صاحب أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن عن قول الله تعالى: {وأن يستعففن خير لهن} قال: (هذا دليل واضح على أن المرأة التي فيها جمال ولها طمع في النكاح لا يرخص لها في وضع شيء من ثيابها ولا الإخلال بشيء من التستر بحضرة الأجانب). إنتهى كلام صاحب أضواء البيان محمد الأمين الشنقيطي ج 6 ص 592. وقال البغوي قال ربيعة الرأي: (والقواعد من النساء) قال هن العجز اللاتي إذا رآهن الرجال استقذروهن فأما من فيها جمال ومحل للشهوة فلا تدخل بالآية وقال ابن مسعود رضي الله عنه في قوله: {فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن} قال: الجلباب أو الرداء. قال ابن كثي ررحمه الله وكذلك روي عن ابن عبالس وابن عمر ومجاهد وسعيد بن جبير وأبي الشعثاء وإبراهيم النخعي والحسن وقتادة والزهري والأوزاعي. انتهى كلامه.

وكما تقدم أنه ليس المراد بوضع الثياب أن يبقين عاريات كما هو معلوم بالبداهة وإنما الثياب التي تستر الوجه والكفين ونحوهما، والتي رخص لهن كشفه لكبر سنهن.

وقال البغوي رحمه الله: {وأن يستعففن خير لهن} قال: فلا يلقين الحجاب والرداء خير لهن. أ. هـ كلامه.

وروى سعيد بن منصور وابن المنذر والبيهقي في سننه عن عاصم الأحول قال: كنا ندخل على حفصة بنت سيرين وقد جعلت الجلباب هكذا وتنقبت به فنقول لها رحمك الله قال الله تعالى: {والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحاً فليس عليهن جناح أن يضعن ثياهن غير متبرجات بزينة} هو الجلباب، فتقول لنا أي شيء بعد ذلك فنقول: {وأن يستعففن خير لهن} فنقول هو إثبات الجلباب.

3- الدليل الثالث من القرآن الكريم:

قوله تعالى: {يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفوراً رحيماً}. سورة الأحزاب، الآية: 59.

قال محمد الأمين الشنقيطي في أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ما نصه: (فقد قال غير واحد من أهل العلم إن معنى قوله تعالى: {يدنين عليهن من جلابيبهن} أنهن يسترن بها جميع وجوههن ولا يظهر منهن شيء إلا عين واحدة تبصر بها، وممن قال به عبد الله بن مسعود وعبد الله ابن عباس وعبيدة السلماني وغيرهم) انتهى كلامه ج6 ص 586.

قال ابن كثير رحمه الله: يدنين عليهن من جلابيبهن ليتميزن عن سمات الجاهلية وسمات الإماء، والجلباب هو الرداء فوق الخمار. قاله ابن مسعود وعبيدة وقتادة والحسن البصري وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وعطاء الخرساني وغير واحد. أ. هـ كلام ابن كثير.

وأما قول ابن عباس رضي الله عنهما فقد ذكره ابن كثير في تفسيره ورواه أيضاً ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن علي بن أبي طلحه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال في هذه الآية: (أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عينا واحدة). انتهى.

وأما قول عبيدة السلماني فقد ذكره ابن كثير في تفسيره ورواه كذلك ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والفريابي عن محمد بن سيرين قال سألت عبيدة السلماني عن قول الله {يدنين عليهن من جلابيبهن}: (فرفع ملحفة كانت عليه فتقنع بها وغطى رأسه كله وغطى وجهه وأخرج عينه اليسرى) أ. هـ.

وقال الواحدي: قال المفسرون عن هذه الآية: {يدنين عليهن من جلابيبهن}: يغطين وجوههن ورؤوسهن إلا عيناً واحدة فيعلم أنهن حرائر فلا يعرض لهن بأذى وبه قال ابن عباس رضي الله عنهما. انتهى.

وقال أبو حيان في تفسيره: كان دأب الجاهلية أن تخرج الحرة والأمة مكشوفتي الوجه وكان الزناة يتعرضون للإماء إذا خرجن بالليل لقضاء حوائجهن وربما تعرضوا للحرة فأمرن أن يخالفن بزيهن بلبس الأردية والملاحف وستر الرؤوس والوجوه. انتهى كلامه.

وقال القرطبي في تفسيره:

(لما كانت عادة العربيات التبذل وكن يكشفن وجوههن وكان ذلك داعية إلى نظر الرجال إليهن أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يأمرهن بإرخاء الجلابيب عليهن إذا أردن الخروج إلى حوائجهن). انتهى.

وقد فسر الجلباب بأنه ما يتغطى به الإنسان كله من ثوب قاله ابن الأثير أ. هـ. وقال البغوي: هو الملاءة التي تشتمل بها المرأة فوق الدرع والخمار. أ. هـ. وقال السدي: الجلباب أن تغطي إحدى عينيها وجبهتها والشق الآخر إلا عين وكذا عادة بلاد الأندلس لا يظهر من المرأة إلا عيناً واحدة. أ. هـ. كلامه.

وقال ابن حزم: الجلباب في لغة العرب التي خاطبنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم هو ما غطى جميع الجسم لا بعضه. انتهى كلامه. فيشمل بهذا الوجه والكفين.

وقوله تعالى: {يدنين}: أمر والأمر يقتضي الوجوب مع ما دلت عليه الأدلة الأخرى وما سيأتي من السنة وأقوال الصحابة رضي الله عنهم في ذلك والله أعلم.

4- الدليل الرابع من القرآن الكريم:

قوله عز وجل: {لا جناح عليهن في آبائهن ولا أبنائهن ولا إخوانهن} الآية.

قال ابن كثير رحمه الله:

لما أمر الله النساء بالحجاب عن الأجانب بين أن هؤلاء الأقارب لا يجب الاحتجاب عنهم كما استثناهم في سورة النور عند قوله: {ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن} الآية. أ. هـ. كلامه.

وقوله: {لا جناح عليهن في آبائهن} قال أبو الفرج ابن الجوزي في زاد المسير في علم التفسير ج6 ص417 (أي في أن يروهن ولا يحتجبن عنهم) أ. هـ. كلامه.

قلت:

ورفع الجناح عن الأب والأخ ومن سمى الله من هؤلاء الأقارب يدل ولا ريب في أن الأجانب عليهن جناح إذا لم يحتجبن عنهم، والجناح والإثم لا يكون إلا بفعل محرم أو ترك واجب فإن كان الأمر كذلك ولا ريب فإن الحجاب عن الرجال الأجانب يكون واجباً فعله ومحرم تركه. والله تعالى أعلم. هذه من أدلة القرآن على وجوب الحجاب وستر الوجه والكفين عن الأجانب وسأذكر إن شاء الله كلاماً لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حول هذه الآية آية الحجاب للفائدة قبل أن نذكر الأدلة من السنة المطهرة.

قال شيخ الإسلام رحمه الله في الفتاوى المجلد 22 ص 115 (قبل أن تنزل آية الحجاب كان النساء يخرجن بلا جلباب يرى الرجال وجهها ويديها وكان إذ ذاك يجوز لها أن تظهر الوجه والكفين وكان حينئذ يجوز النظر إليها لأنه يجوز لها إظهاره ثم لما أنزل الله عز وجل آية الحجاب بقوله: {يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن} حجب النساء عن الرجال وكان ذلك لما تزوج النبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش فأرخى النبي صلى الله عليه وسلم الستر ومنع أنساً أن ينظر- إلى أن قال- فلما أمر الله عز وجل أن لا يسئلن إلا من وراء حجاب وأمر أزواجه وبناته ونساء المؤمنين أن يدنين عليهن من جلابيبهن، والجلباب هو الملاءة وهو الذي يسميه ابن مسعود وغيره الرداء وتسميه العامة الإزار وهو الإزار الكبير الذي يغطي رأسها وسائر بدنها، وقد حكى عبيدة السلماني وغيره أنها تدنيه من فوق رأسها فلا تظهر إلا عينها، ومن جنسه النقاب فكن النساء ينتقبن، وفي الصحيح أن المحرمة لا تنتقب ولا تلبس القفازين، فإذا كن مأمورات بالحجاب وهو ستر الوجه أو ستر الوجه بالنقاب كان حينئذ الوجه واليدان من الزينة التي أمرت أن لا تظهرها للأجانب فما بقي يحل للأجانب النظر إلا إلى الثياب الظاهرة، فابن مسعود ذكر آخر الأمرين، وابن عباس ذكر أول الأمرين) انتهى كلامه رحمه الله.

ومراده بذكر ابن عباس هذا يعني في تفسيره لقوله تعالى:{إلا ما ظهر منها} بالوجه والكفين وقد قال ابن كثير عنه: [وهذا يحتمل أن يكون تفسيرا للزينة التي نهين عن إبدائها كما قال أبو إسحاق السبيعي عن أبي الأحوص عن عبد الله قال في قوله: {ولا يبدين زينتهن} قال: الزينة القرط والدملوج والخلخال والقلادة.

وفي رواية عنه بهذا الإسناد قال: الزينة زينتان فزينة لا يراها الا الزوج الخاتم والسوار، وزينة يراها الأجانب وهي الظاهرة من الثياب انتهى كلام ابن كثير رحمه الله.

فعلى هذا الاحتمال يكون المعنى أي [ولا يبدين زينتهن- من الوجه والكفين- إلا ما ظهر منها] يعني الثياب الظاهرة. والاحتمال هذا الذي ذكره ابن كثير وقول ابن تيمية عن قول ابن عباس رضي الله عنه أنه ذكر أول الأمرين هو الأوفق ولا سيما لما ورد عن ابن عباس رضي الله عنه أنه فسر قوله تعالى: {يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يُعرفن فلا يؤذين وكان الله غفوراً رحيماً} سورة الأحزاب، الآية: 59. قال في تفسيرها: (أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عيناً واحدة) وقد تقدم تخريجه وهو ثابت.

وقد قال أبو داود في كتاب المسائل حدثنا أحمد ابن محمد بن حنبل قال حدثنا يحيى وروح عن ابن جريج قال أخبرنا عطاء قال أخبرنا أبو الشعثاء أن عبد الله ابن عباس رضي الله عنهما قال: تدني الجلباب إلى وجهها ولا تضرب به. قال روح في حديثه قلت وما لا تضرب به فأشار كما تجلبب المرأة ثم أشار ما على خدها من الجلباب قال تعطفه وتضرب به على وجهها. إسناده صحيح على شرط الشيخين فإذا تبين قول ابن عباس في آية الحجاب من سورة الأحزاب: أن النساء أمرن إذا خرجن أن يغطين وجوههن.

وتبين قول ابن مسعود في سورة النور {إلا ما ظهر منها} قال هي الثياب والرداء.

تبين من هذا كله أنه لا خلاف بينهما في وجوب تغطية النساء وجوههن عن الأجانب وأنهما متفقان على ذلك.

وهذا هو الذي يوافق الآيات المتقدمة ويوافق الأحاديث المستفيضة وأقوال الصحابة والصحابيات التي سنذكرها- إن شاء الله-

والتي تدل بمجموعها على وجوب احتجاب المرأة عن الرجال الأجانب. والله ولي التوفيق.

وأشير قبل ذلك إلى أمرين مهمين يتعلقان بهذه الآية وهي قوله تعالى: {يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن}:

الأمر الأول:

أنه معلوم ولا ريب أنه قبل نزول هذه الآية آية الحجاب كان النساء لا يخرجن من بيوتهن عاريات ولكن كن يخرجن بلا جلباب وهن كاشفات عن وجوههن وأكفهن فلما نزلت آية الحجاب بماذا أمرن؟

لم يأمرن إلا بتغطية ما كن يكشفنه من قبل وهو الوجه والكفين والأمر للوجوب كما هو الأصل ويؤيد هذا قول ما ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما في هذه الآية: {يدنين عليهن من جلابيبهن} قال: (أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عيناً واحدة).

وكذلك قول شيخ الإسلام بن تيمية في مجموع الفتاوى ج 22 ص 110 قال: (قبل أن تنزل آية الحجاب كان النساء يخرجن بلا جلباب يرى الرجال وجهها ويديها وكان إذ ذاك يجوز لها أن تظهر الوجه والكفين- إلى أن قال- ثم لما أنزل الله آية الحجاب بقوله: {يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن}:

حجب النساء عن الرجال- إلى أن قال- فإذا كن مأمورات بالجلباب وهو ستر الوجه أو ستر الوجه بالنقاب كان حينئذ الوجه واليدان من الزينة التي أمرت أن لا تظهرها للأجانب فما بقي يحل للأجانب النظر إلا إلى الثياب الظاهرة- وقال في موضع آخر- أمر الله النساء بالاستتار وأن لا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن ومن استثناء الله في الآية- من الأقارب- فما ظهر من الزينة هو الثياب الظاهرة فهذا لا جناح عليها في إبدائها فإن هذه لابد من إبدائها وهذا قول ابن مسعود وغيره وهو المشهور عن أحمد وهو قول طائفة من العلماء كالشافعي وغيره) انتهى كلام شيخ الإسلام رحمه الله.

الأمر الثاني:

أن قوله تعالى في الآية آية الحجاب {يدنين عليهن من جلابيبهن} قوله تعالى {عليهن} شامل لجميع أجسادهن من وجه وعنق وأكف وأقدام ومن أراد أن يخرج الوجه والكفين من هذا العموم الدال على الوجوب بالأمر به فعليه بالدليل الصحيح الصريح ولا هناك من دليل وسبيل على هذا البتة. والله أعلم والحمد لله رب العالمين.

فصل

ثانياً: الأدلة من السنة

الدليل الأولى:

عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان الركبان يمرون بنا ونحن محرمات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا حاذونا سدلت إحدانا جلبابها على وجهها من رأسها فإذا جاوزنا كشفناه). رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة والدار قطني.

وبوب عليه أبو داود بقوله:(باب في المحرمة تغطي وجهها) ج 2 ص 416 سنن أبي داود.

وبوب عليه ابن ماجة بقوله: (باب المحرمة تسدل الثوب على وجهها).

وهذا التبويب يقيد بما فهماه رحمهما الله على أن المرأة يجب أن تغطي وجهها عن الرجال الأجانب وهي محرمة فإذا كانت غير محرمة فهو أولى لأن المشروع في الإحرام كشفه إلا أن يوجد هناك أجانب. قال الخطابي: وممن قال بأن للمرأة أن تسدل الثوب على وجهها من فوق رأسها عطاء ومالك وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل واسحاق وهو قول محمد بن الحسن أ. هـ. يعني وهي محرمة. معالم السنن للخطابي.

وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: (كنا نكون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن محرمات فيمر بنا الراكب فتسدل المرأة الثوب من فوق رأسها على وجهها) رواه الدار قطني في سننه.

وهذا والذي قبله دليل على وجوب ستر الوجه عن الرجال الأجانب، ويدل على هذا كذلك ما رواه الحاكم في المستدرك وقال صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي في تلخيصه عن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها.

قالت: (كنا نغطي وجوهنا من الرجال وكنا نمتشط قبل ذلك في الإحرام).

وقولها: (كنا) هذه صيغة الجمع دليل على أنه هو الذي عليه العمل في زمن الصحابة وهو تغطية الوجوه عن الرجال الأجانب، وهم خير القرون وهم الذين عاشروا الرسول عليه الصلاة والسلام والوحي ينزل من السماء وهم السابقون الأولون والأعلى أخلاقاً وهم الفاهمون والعالمون العاملون بالكتاب والسنة وعلى مراد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

فإذا كانت تلك طريقة وفهم الصحابة ونساءهم وهي وجوب ستر المرأة من وجه وأكف عن الأجانب.

فكيف يسوغ ويليق بمن بعدهم وبنا أن نحيد عن تلك الطريقة التي رسموها ووضحوها بأقوالهم وأفعالهم. ومن ذلك ما قاله سعيد بن منصور حدثنا هشيم حدثنا الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عائشة رضي الله عنها قالت: (تسدل المرأة جلبابها من فوق رأسها على وجهها). إسناده صحيح على شرط الشيخين.

وقد رواه أبو داود في كتاب المسائل عن الإمام أحمد عن هشيم به مثله إلا أن في روايته (تسدل المحرمة بدل المرأة) قال الشوكاني رحمه الله في السيل الجرار ج2 ص180 على هذا الحديث (كن يكشف وجوههن عند عدم وجود من يجب سترها منه ويسترنها عند وجود من يجب سترها منه). أ. هـ. كلامه.

الدليل الثاني:

عن عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين) رواه البخاري ورواه الإمام أحمد وأهل السنن إلا ابن ماجة وقال الترمذي حديث حسن صحيح.

وهذا دليل صحيح صريح بأن النساء كن يغطين وجوههن وأكفهن ولكن إذا كن محرمات يغطين وجوههن بالجلباب والخمار ويتجنبن النقاب كما جاءت بهذا الأحاديث والآثار.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في ج22 ص 111 (ومن جنسه النقاب فكن النساء يتنقبن وفي الصحيح أن المحرمة لا تنتقب ولا تلبس القفازين فإذا كن مأمورات بالجلباب لئلا يعرفن وهو ستر الوجه أو ستر الوجه بالنقاب كان الوجه واليدان من الزينة التي أمرت أن لا تظهرها للأجانب) انتهى كلامه.

وقال في موضع آخر رحمه الله: (هذا يدل على أن النقاب والقفازين كانا معروفين في النساء اللاتي لم يحرمن وذلك يقتضي ستر وجوههن وأيديهن) وقال شيخ الإسلام رحمه الله في موضع آخر: (وكن النساء يدنين على وجوههن ما يسترها من الرجال الأجانب من غير وضع ما يجافيها عن الوجه وذلك أن المرأة كلها عورة فلها- أي المحرمة- أن تغطي وجهها ويديها لكن بغير اللباس المصنوع بقدر العضو كما أن الرجل لا يلبس السراويل) انتهى كلامه.

ويعني بهذا رحمه الله أن المرأة المحرمة لا تغطي وجهها بما فصل عليه بقدره كالنقاب فهذا منهية عنه ولكن تغطي وجهها بالجلباب ونحوه، كما تقدم عن بعض الصحابيات رضي الله عنهن.

ومن ذلك ما رواه وكيع عن شعبة عن يزيد الرشك عن معاذة العدوية قالت: سألت عائشة رضي الله عنها ما تلبس المحرمة فقالت عائشة: لا تنتقب ولا تتلثم وتسدل الثوب على وجهها).

وقال ابن القيم رحمه الله في تهذيب السنن (وقد ثبت عن أسماء أنها كانت تغطي وجهها وهي محرمة) انتهى. وهو كما قال رحمه الله كما ذكرناه قريباً.

وقد روى مالك في الموطأ أيضاً عن فاطمة بنت المنذر قالت (كنا نخمّر وجوهنا ونحن محرمات ونحن مع أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما).

وقولها: (نخمر وجوهنا) أي نغطيها. وتقدم قول ابن حجر رحمه الله على قول: (فاختمرن به) قال كما في الفتح أي: غطين وجوههن. أ. هـ. كلا مه.

لذا سميت الخمر خمراً لأنها تغطي العقل. والله أعلم.

وقال ابن القيم في إعلام الموقعين رحمه الله قال: (ونساؤه صلى الله عليه وسلم أعلم الأمة بهذه المسألة وقد كن يسدلن على وجوههن إذا حاذوهن الركبان فإذا جاوزوهن كشف وجوههن) انتهى كلامه.

ونقل الحافظ ابن حجر في فتح الباري عن ابن المنذر أنه قال: (أجمعوا على أن المرأة المحرمة تلبس المخيط كله والخفاف وأن لها أن تغطي رأسها وتستر شعرها إلا وجهها فتسدل عليه الثوب سدلاً تستتر به عن نظر الرجال الأجانب) انتهى كلامه. فتح الباري ج 3 ص 406 وما تقدم من الأحاديث تدل على هذا.

ويؤخذ مما ذكره من الإجماع ومن الأحاديث والآثار المتقدمة أن على غير النساء المحرمات من وجوب تغطية الوجوه والتستر عن الأجانب مثل ما على المحرمات وأشد من تغطية للوجه وتستره قال شيخ الإسلام ابن تيمية ج 22 ص115 (قد ثبت بالنص والإجماع أنه ليس على المرأة في الصلاة أن تلبس الجلباب الذي يسترها إذا كانت في بيتها وإنما ذلك إذا خرجت).

الدليل لثالث:

عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من جر ثويه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة) فقالت أم سلمة فكيف يصنع النساء بذيولهن قال: (يرخين شبراً) فقالت إذاً تنكشف أقدامهن قال: (يرخينه ذراعاً ولا يزدن عليه) رواه أحمد والترمذي والنسائي وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح.

وفي رواية للإمام أحمد عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن نساء النبي صلى الله عليه وسلها سألنه عن الذيل فقال: (اجعلنه شبراً) فقلن إن شبراً لا يستر من عورة فقال: (اجعلنه ذراعاً).

ففي هذا الحديث دليل على وجوب ستر قدم المرأة وأنه أمر معلوم عند نساء الصحابة رضي الله عنهم.

قال البيهقي رحمه الله: (في هذا دليل على وجوب ستر قدميها). انتهى.

وقولهن: إن شبراً لا يستر من عورة. وقد أقرهن النبي صلى الله عليه وسلم على جعل القدمين من العورة وما سيأتي في حديث: (المرأة عورة).

أي كلها في حق الرجال الأجانب، وإذا كان الأمر كذلك في القدمين وهن أقل فتنة يحرم كشفهما للرجال الأجانب فكيف بما فوقهما من سائر أطراف الجسم وأجزاء البدن ولا سيما الوجه والكفين والوجه الذي هو مجمع محاسن المرأة وأعظم ما يفتن به الرجال.

ففي هذا الحديث تنبيه بالأدنى والتنبيه بالأدنى تنبيه على ما فوقه وما هو أولى منه بالحكم.

وحكمة الشرع تأبى أن يجب ستر ما هو أقل فتنة وأخف ويرخص ويجوز في كشف ما هو أعظم منه فتنة.

فإن هذا من التناقض المستحيل على حكمة الله وشرعه المطهر.

الدليل الرابع:

عن أم سلمة رضي الله عنها قالت قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا كان لإحداكن مكاتب فكان عنده ما يؤدي فلتحتجب منه) رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجة والترمذي وقال حديث حسن صحيح. رواه الشافعي والحاكم وقال صحيح الإسناد ووافقه الذهبي. قال الشيخ محمد العثيمين- رحمه الله- على هذا الحديث ما نصه: (هذا الحديث يقتضي أن كشف السيدة وجهها لعبدها جائز ما دام في ملكها فإذا خرج من ملكها وجب عليها الاحتجاب لأنه صار أجنبيا فدل على وجوب احتجاب المرأة عن الرجل الأجنبي) أ. هـ. وقوله: (فلتحتجب) أمر والأصل في الأمر أنه للوجوب إلا أن يكون هناك صارف ولا هناك من صارف البتة بل دلت الأدلة الأخرى على وجوبه.

الدليل الخامس:

عن أم عطية رضي الله عنها قالت: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نخرجهن في الفطر والأضحى العواتق والحيض وذوات الخدور. قلت يا رسول الله إحدانا لا يكون لها جلباب قال: (لتلبسها أختها من جلبابها). رواه الإمام أحمد ورواه البخاري ومسلم وأهل السنن.

وقد تقدم تفسير الجلباب قريباً وأنه ما يغطي الرأس والوجه.

فهذا الحديث يدل على أن نساء الصحابة كن لا يخرجن من بيوتهن إلا بجلباب وإنهن عند عدمه لا يمكن أن يخرجن ولذلك ذكرن هذا المانع فأمرهن رسول الله عليه الصلاة والسلام بقوله: (لتلبسها أختها من جلبابها): والأمر هنا باللبس للوجوب وكما دلت عليه الأدلة الأخرى. وأنه عليه الصلاة والسلام لم يأذن لهن بالخروج بغير جلباب مع أن خروجهن كان لصلاة العيد والذي قال بعض أهل العلم بوجوبها على الأعياد كشيخ الإسلام بن تيمية وغيره لم يأذن لهن بالخروج إلا بجلباب- وهو التستر عن الرجال الأجانب وتغطية الوجه بالجلباب فكيف يُرَخص ويجوز لهن ترك الجلباب عند الخروج في أمور غير مأمورات به شرعاً ولا محتاجات إليه. بل هو الذهاب والتجول في الأماكن والاختلاط بالرجال والتفرج الذي لا فائدة منه. فإن احتجابهن إذا خرجن لهذه الأمور وغيرها أولى وأوجب من ما إذا خرجن للمسجد وسماع الذكر والوقوف بين يدي الله عز وجل.

الدليل السادس:

عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أخت له نذرت أن تحج حافية غير مختمرة فقال: (مروها فالتختمر ولتركب ولتصم ثلاثة أيام) رواه أحمد وأهل السنن بهذا اللفظ. ورواه البخاري في باب من نذر المشي إلى الكعبة وفي رواية مسلم بلفظ: فاستفتيته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لتمش ولتركب).

قال الخطابي: (أمره إياها بالإختمار لأن النذر لم ينعقد فيه لأن ذلك معصية والنساء مأمورات بالاختمار والاستتار) انتهى.

وقال الصنعاني رحمه الله: (الأمر بصيام ثلاثة أيام لأجل النذر بعدم الاختمار فإنه نذر بمعصية فوجب كفارة يمين) سبل السلام ج4 ص 217 انتهى.

وقد تقدم تفسير معنى الاختمار حينما قالت عائشة (فاختمرن به): قال الحافظ ابن حجر في الفتح معناه: (غطين وجوههن) ج 8 ص 490 فتح الباري. انتهى.

وذكر الحافظ ابن حجر في الفتح قال: قد أخرج الطبراني من طريق تميم الجيشاني عن عقبة: (نذرت أن تمشي إلى الكعبة حافية حاسرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لتركب ولتلبس ولتصم) انتهى كلامه.

فأمره صلى الله عليه وسلم لها بالاختمار وأن تلبس ما يسترها عن الأجانب هذا الحكم لها ولغيرها من نساء المؤمنين إلى قيام الساعة والأمر منا للوجوب بالتحجب كما دلت عليه الأدلة الأخرى.

ولما كان نذر هذه المرأة على معصية بتركها الخمار وعدم التستر أمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدم فعله.

وقد قال رسول الله عليه الصلاة والسلام في حديث آخر: (ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه) والمعصية لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم لا تكون إلا بفعل محرم أو ترك واجب.

الدليل السابع:

عن عائشة رضي الله عنها قالت: (أومأت امرأة من وراء ستر بيدها كتاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم) الحديث رواه أحمد وأبو داود والنسائي.

وهذا الحديث يدل على أن نساء الصحابة رضي الله عنهم كن يستترن عن الرجال الأجانب ويغطين وجوههن ولم يكن الصحابة يفعلون شيئاً إلا بأمر من الشارع صلى الله عليه وسلم ولهذا أقر هذه المرأة على الاستتار وتغطية وجهها، وكثير من النساء يسألن النبي صلى الله عليه وسلم وهن متحجبات سواء كن في السفر أو الحظر عن أمور دينهن ولربما انحسر عن المرأة أحياناً وبغير قصد شيئاً منها ومن غير عمد خاصة في السفر في الحج إذا كانت المرأة منهية عن النقاب والقفازين ولربما رأى الأجانب شيئاً من وجهها أو كفيها بغير عمد وقصد منها كما يحدث هذا عند النساء أحياناً فيبادرن بستره ويدل على هذا ما رواه النسائي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة بنت قيس لما أمرها أن تعتد عند أم شريك (فإني أكره أن يسقط منك خمارك فيرى القوم منك بعض ما تكرهين) ولكن المتعمدة لكشف وجهها يحرم عليها هذا وكما تقدم في حديث عقبة بن عامر حين أنكر عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر أخته أن تختمر وتلبس.

الدليل الثامن:

عن عائشة رضي الله عنها قالت: (إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي الصبح فينصرف النساء متلفعات بمروطهن) رواه البخاري ومسلم وغيرهما.

وفي رواية لأحمد والبخاري (ولا يعرف بعضهن بعضاً).

وهذا الحديث برواياته يدل على أن نساء الصحابة كن يغطين وجوههن إذا خرجن ويستترن عن الأجانب ومن حرصهن على ذلك ومبالغتهن لا يعرف بعضهن بعضاً ولو كن يكشفن وجوههن إذا خرجن لعرف بعضهن بعضاً كما كان الرجال يعرف بعضهم بعضاً لقول أبو برزة رضي الله عنه في حديث: (كان النبي صلى الله عليه وسلم ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه) رواه البخاري ومسلم.

وقولها: (متلفعات بمروطهن) قال ابن الأثير: (تلفعت المرأة بمرطها أي تلحفت به وتغطت) أ. هـ. كلامه.

وقال الجوهري: (تلفعت أي تلحفت به وقال تلفع الرجل بالثوب إذا اشتمل به وتغطى) انتهى كلامه.

ويؤيد هذا ما تقدم عن عائشة رضي الله عنها أنها ذكرت نساء الأنصار وأنهن لما أنزلت سورة النور: {وليضربن بخمرهن على جيوبهن} قامت كل امرأة منهن إلى مرطها فاعتجرت به فأصبحن وراء رسول الله عليه الصلاة والسلام معتجرات) وقد تقدم تخريجه وتفسير الاعتجار بأنه لف الخمار على الرأس مع تغطية الوجه. والله أعلم.

الدليل التاسع:

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل) قال جابر فخطبت جارية فكنت أتخبأ لها حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها وتزويجها. رواه أحمد وأبو داود والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي في تلخيصه.

وعن محمد بن سلمة رضي الله عنه قال: (خطبت امرأة فجعلت أتخبأ حتى نظرت لها في نخل لها) رواه أحمد وابن ماجة وصححه ابن حبان والحاكم. وعن المغيرة بن شعبة قال: ذكرت لرسول الله امرأة أخطبها فقال: [اذهب فأنظر إليها فإنه أجدر أن يؤدم بينكما] قال المغيرة فأتيت امرأة من الأنصار فخطبتها وأخبرتهما بقول النبي صلى الله عليه وسلم فكأنما كرها ذلك فقالت المرأة إن كان الرسول أمرك أن تنظر فانظر قال فنظرت إليها فتزوجتها. رواه أحمد وابن ماجة والنسائي والترمذي وصححه ابن ماجة.

ففي هذه الأحاديث دليل على أن الحجاب والتستر كان من عادة نساء الصحابة الذين هم خير القرون وأكرمها عند الله، وأن النساء كن يغطين وجوههن عن الرجال الأجانب ولم يكن الصحابة رجالاً ونساء يفعلون شيئاً يتدينون به إلا بوحي من الله وبأمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فإن استطاع أن ينظر) دليل أنه لا يستطيع النظر إليها وما ذلك إلا إنها كانت متحجبة عن الأجانب ولو كانت غير متحجبة وكاشفة عن وجهها لنظر إليها في السوق وهي خارجة من بيتها ونحو ذلك.

ويدل على هذا قول جابر: (فكنت أتخبأ لها) فلو كن يكشفن وجوههن لما تخبأ لها ولنظر إليها دون اختباء وهي خارجة من البيت. وكذلك محمد بن سلمة رضي الله عنه أنه لم يتمكن من النظر إلى المخطوبة إلا بطريق الاختباء والاغتفال حيثما تخبأ في نخل لها ونظر إليها. وكذلك المغيرة بن شعبه رضي الله عنه لم يتمكن من النظر إلى مخطوبته إلا بعد إذنها له في النظر إليها وذلك بأن كشفت له عن وجهها فنظر إليها. والرخصة للخاطب برؤية المخطوبة دليل على وجود العزيمة وهو الحجاب الواجب عليهن ولو كن سافرات الوجوه لما كانت الرخصة.

الدليل العاشر:

عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال قبرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً فلما رجعنا وحاذينا بابه صلى الله عليه وسلم إذا هو بامرأة لا نظنه عرفها فقال: (يا فاطمة من أين جئت قالت جئت من أهل الميت رحمت إليهم ميتهم وعزيتهم) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.

وهذا الحديث يدل على احتجاب النساء عن الأجانب وهو الذي عليه العمل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعهد خلفاءه ومن بعدهم من تغطية لوجوههن وأيديهن، ولذلك قال عبد الله بن عمرو رضي الله عنه: (إذا هو بامرأة لا نظنه عرفها) ظنوا أن رسول الله عليه الصلاة والسلام لم يعرفها وما ذلك إلا أنها مغطية وساترة وجهها ويديها عن الرجال الأجانب، وقد عرف النبي صلى الله عليه وسلم ابنته لما مرت من عنده تريد الدخول إلى منزله صلى الله عليه وسلم.

الدليل الحادي عشر:

عن جرير بن عبد الله رضي القه عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجاءة فأمرني أن أصرف بصري. رواه مسلم وأهل السنن إلا ابن ماجة.

وهذا الحديث يدل على أن نساء المؤمنين آنذاك كن يستترن عن الأجانب ويغطين وجوههن وإنما كان يقع النظر فجاءة ولو كن يكشفن وجوههن لما كان لذكر نظر الفجاءة معنى ولو كن يكشفن وجوههن عند الأجانب وأثناء خروجهن من بيوتهن إلى الصلاة وصلاة العيد ونحو ذلك مثلا لكان في صرف البصر عنهن مشقة عظيمة فإذا صرف بصره عن هذه وقع على أخرى أو أكثر. وأما إذا كن يغطين وجوههن كما يفيده الحديث والأحاديث قبله فإنه لا يكون على من نظر مشقة في صرف النظر وصرف البصر لأن هذا إنما يكون بغتة في بعض الأحيان وكما تقدم أن بعض النساء ربما انكشف منها شيئاً من حيث لا تشعر ومن غير قصد ولا سيما إذا كثرت النساء حول الرجل فإنه إذا وافق بصره ذلك فجاءة صرفه كما أمر.

الدليل الثاني عشر:

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تباشر المرأة المرأة فتنعتها لزوجها كأنه ينظر إليها) رواه البخاري وغيره، وهذا دليل على أن النساء كن يحتجبن الحجاب الشرعي بتغطية وجوههن عن الرجال الأجانب وأنه لم يبق للرجال سبيل إلى معرفة الأجنبيات من النساء إلا من طريق الصفة أو الاغتفال والاختباء ونحو ذلك ولهذا قال: (كأنه ينظر إليها) فدل على أن نظر الرجال إلى النساء الأجنبيات آنذاك ممتنع من أجل احتجابهن

عنهم ولو كان النساء لا يحتجبن لما كان الرجال يحتاجون إلى أن تنعت لهم الأجنبيات من النساء بل كانوا يستغنون بنظرهم إليهن مباشرة. والله أعلم.

الدليل الثالث عشر:

ما رواه مسلم وأبو داود والنسائي وغيرهم أن فاطمة بنت قيس رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها أن تعتد في بيت أم شريك ثم قال: (تلك امرأة يغشاها أصحابي اعتدي عند ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك).

وفي رواية لمسلم: (فإنك إذا وضعت خمارك لم يرك).

وهذا دليل أن على المرأة لا يجوز لها أن تضع ثيابها وتكشف وجهها عند البصير من الرجال الأجانب ويحرم عليها ذلك، وهذا يقتضي وجوب ستر وجهها وكفيها عنهم.

الدليل الرابع عشر:

عن عائشة رضي الله عنها قالت لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهو عروس بصفية بنت يحي جئن نساء الأنصار فأخبرن عنها قالت عائشة: (فتنكرت وتنقبت فذهبت فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عيني فعرفني) رواه ابن ماجة وله شواهد. وهذا يدل على أن نساء الصحابة كن يغطين وجوههن إذا خرجن من بيوتهن عن الأجانب ويتنقبن ويخرجن عيناً واحدة كما دلت عليه الأدلة الأخرى من الكتاب والسنة المطهرة كما تقدم ذكر بعض منها.

وقد قال ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين: (ونساؤه صلى الله عليه وسلم أعلم الأمة بهذه المسألة) أ. هـ. كلامه.

ولم يكن الصحابة رجالاً ونساء يفعلون أمراً أو يتركون شيئاً إلا بأمر من النبي صلى الله عليه وسلم الذي أدى الرسالة حق الأداء وبلغ الأمانة حق التبليغ والذي ترك أصحابه وأمته جميعاً على البيضاء ليلها نهارها.

الدليل الخامس عشر:

عن قيس بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلق حفصة رضي الله عنها تطليقة فأتاها خالاها عثمان وقدامة فقالت: والله ما طلقني عن شبع فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل فتجلببت فقال رسول الله: (أتاني جبريل عليه السلام فقال راجع حفصة فإنها صوامة قوامة) رواه الطبراني قال الهيثمي ورجاله رجال الصحيح ورواه الحاكم بإسناد صحيح. وهذا الحديث يدل على تستر النساء في عهد النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجال الأجانب. وتغطيتهن وجوههن عنهم وهم أي الصحابة خير القرون وأعلم من غيرهم وهم الذين فهموا القرآن والسنة على مراد الله ورسوله فهم أعلم الأمة بأحكام الشرع.

ولهذا تجلببت حفصة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم لما طلقها، وتقدم تفسير الجلباب من أقوال أهل العلم وكذلك قول ابن عباس أنهن أمرن أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ما في تفسيره لآية الأحزاب كما تقدم.

ومما يدل على ما تقدم كذلك ما رواه الترمذي وابن خزيمة والطبراني وابن حبان في صحيحيهما وقال المنذري رجال الطبراني رجال الصحيح عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المرأة عورة) وهذا الحديث يدل على ما دلت عليه الأحاديث قبله من وجوب تستر المرأة عن الرجال الأجانب. وفيه أن جميع أجزاء المرأة عورة في حق الرجال الأجانب وسواء كان وجهها أو كفيها أو قدميها فإن قوله صلى الله عليه وسلم: (المرأة عورة) هذا عام يشمل جميع جسمها وأعضائها بدون استثناء ومن أخرج الوجه والكفين من هذا العموم فعليه بالدليل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا هناك من دليل على هذا البتة والله تعالى أعلم.

وقد نقل أبو طالب عن الإمام أحمد رحمه الله أنه قال: (ظفر المرأة عورة فإن خرجت من بيتها فلا تبن منها شيئاً ولا خفها فإن الخف يصف القدم) أ. هـ. وتقدم ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن الإمام أحمد رحمه الله أنه قال: (كل شيء منها عورة حتى ظفرها قال الشيخ وهو قول مالك) انتهى كلامه.

وقال المناوي: (المرأة عورة أي هي موصوفة بهذه الصفة ومن هذه صفته فحقه أن يستر والمعنى أنه يستقبح تبرزها وظهورها للرجال). انتهى كلامه.

وقال السيوطي في كتابه: (الأشباه والنظائر) (المرأة في العورة لها أحوال- إلى أن قال- وحالة مع الأجانب وعورتها كل البدن حتى الوجه والكفين) انتهى كلامه.

وقال الصنعاني رحمه الله: (يباح كشف وجهها عند صلاتها بحيث لا يراها أجنبي فهذه عورتها في الصلاة وأما عورتها بالنظر إلى نظر الأجنبي إليها فكلها عورة) انتهى كلامه.

الدليل السادس عشر:

ما رواه البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: خرجت سودة بعدما ضرب الحجاب لحاجتها وكانت امرأة جسيمة لا تخفى على من يعرفها فرآها عمر بن الخطاب فقال يا سودة أما والله لا تخفين علينا فانظري كيف تخرجين قالت فانكفأت راجعة ورسول الله في بيتي فدخلت فقالت يا رسول الله إني خرجت لبعض حاجتي فقال لي عمر كذا وكذا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الله أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن).

فقول عائشة: (خرجت بعدما ضرب الحجاب وكانت امرأة جسيمة لا تخفى على من يعرفها فرآها عمر فقال والله ما تخفين علينا): هذا دليل على أن نساء الصحابة كن يحتجبن ويغطين وجوههن إذا خرجن لحاجتهن وذلك أن عمر لم يعرف سودة إلا من جسمها فدل على أنها كانت مستورة الوجه ومحتجبة وهذا هو الذي عليه العمل في عهد النبي وأصحابه وقد ذكرت عائشة في الحديث أنها لا تخفى على من يعرفها وكان عمر يعرفها بجسامتها ولذلك رغب عمر أن لا تخرج من بيتها كي لا تعرف من شخصها.

ولكن الشرع أذن لهن بالخروج لحاجتهن وهن محتجبات كما فعلت سودة رضي الله عنها ورضي الله عن عمر.

الدليل السابع عشر:

عن أنس في قصة غزوة خيبر واصطفائه صلى الله عليه وسلم صفية قال: (فخرج رسول الله من خيبر فلما قرب البعير لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليركب وضع رسول الله رجله لصفية لتضع قدمها على فخذه فأبت ووضعت ركبتها وسترها رسول الله وحملها وراءه وجعل رداءه على ظهرها ووجهها ثم شده من تحت رجلها) أخرجه الشيخان وغيرهما. ووجه الدلالة قوله: (وجعل رداءه على ظهرها ووجهها) فهذا حديث صحيح صريح يدل على ما تقدم. والله أعلم.

الدليل الثامن عشر:

ما أخرجه ابن سعد عن عبد الله بن عمر العمري قال: (لما اجتلى النبي صلى الله عليه وسلم صفية رأى عائشة متنقبة وسط الناس فعرفها). وفي رواية لابن ماجة قالت عائشة: (تنقبت فذهبت فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عيني فعرفني).

وهذا الحديث والذي قبله دليل واضح على أن النساء كن يتحجبن ويغطين وجوههن عن الرجال الأجانب في عهد النبي عليه الصلاة والسلام وعهد خلفاءه وأصحابه من بعده وهذا هو الذي دل عليه الدليل من الكتاب والسئنة وأقوال الصحابة وفعل نسائهم رضي الله عنهم وقد ذكرنا فيمما تقدم بعض الأحاديث الواردة في هذا وسنذكر في الفصل الآتي أقوال الصحابة رضي الله عنهم والتي تدل على هذا وتوافقه- إن شاء الله تعالى- والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

فصل

ثالثا: الأدلة من آثار وأقوال الصحابة

وقد جاءت الآثار عن الصحابة رضي الله عنهم بما يوافق الآيات والأحاديث التي ذكرنا والتي تدل على وجوب تحجب النساء عن الرجال الأجانب وتغطية وجوههن وأيديهن عنهم وسنذكر فيما يلي بعضاً منها إن شاء الله.

الحديث الأول:

ما رواه البخاري ومسلم والإمام أحمد عن عائشة رضي الله عنها في قصة الإفك قالت: (وكان صفوان بن معطل السلمي قد عرس من وراء الجيش فأدلج فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم فأتاني فعرفني حين رآني وكان قد رآني قبل الحجاب فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني فخمرت وجهي بجلبابي). وهذا دليل على أن النساء كن يتحجبن عن الأجانب وعائشة رضي الله عنها أقرب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي وغيرها من الصحابيات أعلم الأمة بهذه المسألة رضي الله عنهن فإن فعلهن وعادتهن كما ترى تغطية وجوههن عن الرجال الأجانب والتستر عنهم.

الحديث الثاني:

ما رواه سعيد بن منصور عن عائشة رضي الله عنها قالت: (تسدل المرأة جلبابها من فوق رأسها على وجهها) إسناده صحيح على شرط الشيخين. وقد رواه أبو داود في كتاب المسائل عن الإمام أحمد إلا أن في روايته (تسدل المحرمة بدل المرأة).

وقد تقدم تفسير الجلباب كما هو مبين في هذين الحديثين عن عائشة رضي الله عنها.

الحديث الثالث:

ما رواه وكيع عن يزيد الوشك عن معاذة العدوية قالت سألت عائشة رضي الله عنها ما تلبس المحرمة فقالت: (لا تتنقب ولا تتلثم وتسدل الثوب على وجهها). وهذا الحديث والذي قبله عنها رضي الله عنها واضح بالدلالة على ما اعتقدوه وفهموه من وجوب تغطية وجود النساء عن الرجال الأجانب.

الحديث الرابع:

ما رواه أبو داود الطيالسي في سنده عن صفية بنت شيبة قالت حدثتنا عائشة: قالت: قلت يا رسول الله يرجع الناس بنسكين وأرجع بنسك واحد فأمر أخي عبد الرحمن فأعمرني من التنعيم وأردفني خلفه على البعير في ليلة حارة فجعلت أحسر عن خماري فتناولني بشيء في يده فقلت هل ترى من أحد).

وفي هذا دليل على تحجب أزواجه صلى الله عليه وسلم ونساء الصحابة عن الرجال الأجانب إذا خرجن من بيوتهن ولذلك لما كانت عائشة في ليلة حارة ولم يكن عندها رجال أجانب كشفت عن وجهها وحسرت عن خمارها فتناولها أخوها عبد الرحمن بشيء في يده فقالت هل ترى من أحد أي من رجل أجنبي، ويؤيد هذا ما تقدم من قولها وقول غيرها من الصحابيات وأنهن إذا حاذوهن الركبان سدلن على وجوههن وإذا جاوزوهن كشفن وجوههن وهن محرمات.

الحديث الخامس:

عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال في قوله تعالى: {فجاءته إحداهما تمشي على استحياء} قال عمر ليست بسلفع من النساء خراجة ولاجة ولكن جاءت مستترة قد وضعت كم درعها على وجهها استحياء. ذكره البغوي في تفسيره. وقد رواه ابن أبي حاتم بإسناد صحيح ورواه الحاكم في مستدركة وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه عن عمر بن الخطاب قال: (جاءت تمشي على استحياء قائلة بثوبها على وجهها) قال الجوهري السلفع من النساء: الجريئة.

وقال ابن الأثير: السلفعة هي الجريئة على الرجال. انتهى كلامه.

والولاجة الخراجة: هي كثيرة الدخول والخروج.

وهذا القول من عمر بن الخطاب رضي الله عنه يدل على الفهم المتقرر عنده وعند غيره من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن على المرأة إذا خرجت من بيتها ستر وجهها والتحجب عن الرجال الأجانب ويؤيد هذا الفهم من عمر رضي الله عنه الحديث الآتي.

الحديث السادس:

ما رواه أبو داود الطيالسي في مسنده عن كهمس الهلالي رضي الله عنه قال: (بينما نحن جلوس عند عمر رضي الله عنه إذ جاءت امرأة فجلست إليه فذكر الحديث في شكايتها زوجها وأن عمر رضي الله عنه أرسل إليه فقعدت المرأة خلف عمر رضي الله عنه فقال عمر-لزوجها- ما تقول هذه الجالسة خلفي قال ومن هذه يا أمير المؤمنين قال هذه امرأتك) الحديث.

فهذا الحديث عن الخليفة الراشد الثاني رضي الله عنه يدل على ما ذكرناه من وجوب تحجب المرأة عن الرجال الأجانب إذا خرجت من بيتها لحاجة، وزوج المرأة لم يعرف امرأته حين كانت عند الرجال الأجانب وما ذاك إلا لكونها مغطية وجهها وأيديها ومتسترة عنهم.

الحديث السابع:

روى أبو داود في كتاب المسائل عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (تدني الجلباب إلى وجهها ولا تضرب به قال روح وما لا تضرب به فأشار لي كما تجلبب المرأة ثم أشار لي ما على خدها من الجلباب قال تعطفه وتضرب على وجهها كما هو مسدول على وجهها) إسناده صحيح على شرط الشيخين.

وهذا يدل على فهم الصحابة ومن بعدهم أن على المرأة تغطية وجهها عن الرجال الأجانب كما جاءت به النصوص.

وهذا الحديث عن ابن عباس رضي الله عنهما مع ما تقدم من تفسيره لآية الأحزاب في رواية علي بن أبي طلحة يؤيد الاحتمال الذي ذكره ابن كثير في أن تفسير ابن عباس لقوله تعالى:{ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها} بالزينة التي نهين عن إبدائها أي تفسيراً للزينة أي (ولا يبدين زينتهن- من الوجه والكفين- إلا ما ظهر منها) يعني ما ظهر من الثياب كما ذكره ابن مسعود رضي الله عنه وغيره.

وهو الذي دلت عليه الأدلة كما تقدم ومن أقوال الصحابة وفعلهم وهو الذي عليه العمل في عهد النبي صلى الثه عليه وسلم وعهد خلفاءه ومن بعدهم من التابعين.

الحديث الثامن:

ما رواه البخاري عن صفية بنت شيبة أن عائشة رضي الله عنها قالت لما نزلت الآية:{وليضربن بخمرهن على جيوبهن} أخذن أزرهن فتشققنها من قبل الحواشي فاختمرن بها. وفي رواية شققن مروطهن فاختمرن به.

قال الحافظ في الفتح: (قولها فاختمرن به أي غطين وجوههن) أ. هـ. كلامه. وكما ذكرنا أن الخمار: جمعه خُمُر والخمار هو: ما تغطي به المرأة رأسها ووجهها وعنقها وجيبها. فكل شيء غطيته وسترته فقد خصرته، ومنه ما في الحديث الذي وقصته راحلته (لا تخمروا رأسه ولا وجهه) رواه مسلم. ومن ذلك قول الشاعر النميري:

يخمرن أطراف البنان من التقى                           ويخرجن جنح الليل معتجرات.

وتقدم تفسير ومعنى الاعتجار.

الحديث التاسع:

ما ذكره البغوي في تفسيره عن أنس رضي الله عنه قال: (مرت بعمر بن الخطاب رضي الله عنه جارية متقنعة فعلاها بالدرة وقال يا لكاع أتتشبهين بالحرائر).

قال الواحدي قال المفسرون لما نزلت: {يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن}.

قال المفسرون يغطين وجوههن ورؤوسهن إلا عيناً واحدة فيعلم أنهن حرائر.

وبه قال ابن عباس رضي الله عنهما. وقد تقدم قول القرطبي وقول أبو حيان في هذا.

وقال شيخ الإسلام بن تيمية نحو هذا (والحجاب للحرائر كما كان المؤمنين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه أن الحرة تحتجب والأمة تبرز وكان عمر رضي الله عنه إذا رأى أمة مختمرة قال أتتشبهين بالحرائر) انتهى كلامه رحمه الله.

وقال ابن القيم في إعلام الموقعين ج 2 ص 61: (الحرائر يسترن وجوههن عن الأجانب وأما الإماء فلم يوجب عليهن ذلك لكن هذا في إماء الاستخدام والإبتذال وأما إماء التسري اللاتي جرت العادة بصونهن وحجبهن فأين أباح الله ورسوله لهن أن يكشفن وجوههن في الأسواق والطرقات ومجامع الناس- إلى أن قال- فإن العورة عورتان عورة في الصلاة وعورة في النظر فالحرة لها أن تصلي مكشوفة الوجه والكفين وليس لها أن تخرج في الأسواق ومجامع الناس كذلك) أ. هـ. انتهى كلامه رحمه الله.

الدليل العاشر:

ما أخرجه البيهقي بإسناد حسن عن عيينة بن عبد الرحمن عن أبيه قال: (جاءت امرأة إلى سمرة بن جندب فذكرت أن زوجها لا يصل إليها فسأل الرجل فأنكر ذلك وكتب فيه إلى معاوية رضي الله عنه قال فكتب أن زوجه امرأة من بيت المال لها حظ من جمال ودين قال ففعل قال: وجاءت المرأة متقنعة).

وفي هذا بيان ما كان عليه نساء الصحابة والتابعين من الاحتجاب وتغطية الوجوه عن الرجال الأجانب، وما تقدم عن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهن كأسماء بنت أبي بكر وحفصة بنت سيرين وفاطمة بنت المنذر. كما روى مالك في موطئه عن فاطمة بنت المنذر قالت: (كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات ونحن مع أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما) وهذه لفظة الجماعة بقولها: (كنا) أي نحن الصحابيات نخمر وجوهنا أي نغطي وجوهنا عن الرجال الأجانب، كل هذا يبين ما كن عليه من الاحتجاب والتستر ولم يكونوا يعملون شيئاً الصحابة رضي الله عنهم إلا بأمر من الشارع صلى الله عليه وسلم.

وقد روى البخاري في (كتاب الأدب) من صحيحة (أن عائشة رضي الله عنها نذرت أن لا تكلم ابن الزبير- وذكر الحديث وفي آخره- وكانت عائشة تذكر نذرها ذلك فتبكي حتى تبل دموعها خمارها) ويبين هذا قولها المتقدم الذكر (فاختمرن به) حيث قال الحافظ ابن حجر (أي يغطين وجوههن) وهذا يدل على أن ستر الوجه من عادة النساء في عهده صلى الله عليه وسلم المأمورات به شرعاً.

وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم هم خير الأمة وأعلمها بالحلال والحرام وهم أفهم للنصوص ممن بعدهم وقد تقدم قول الصحابة وفعل نسائهم رضي الله عنهم أجمعين على وجوب احتجاب المرأة وتغطية وجهها وكفيها عن الرجال الأجانب ونساؤه صلى الله عليه وسلم هن أعلم الأمة بهذه المسألة والذي كان الوحي ينزل على رسول الله بحجراتهن قد كن يغطين ويخمرن وجوههن وإذا كن محرمات أسدلن الثوب على وجوههن كما قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها وغيرها.

فصل

رابعا: أقوال أهل العلم من السلف ومن بعدهم في هذا

وقد جاءت أقوال أهل العلم رحمهم الله في هذا فنذكر بعض أقوالهم للفائدة فهم ورثة الأنبياء عليهم أفضل الصلاة والتسليم.

قال شيخ الإسلام أبو العباس أحمد ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى المجلد 22 ص 115 (كانوا قبل أن تنزل آية الحجاب كان النساء يخرجن بلا جلباب يرى الرجل وجهها ويديها وكان إذ ذاك يجوز لها أن تظهر الوجه والكفين وكان حينئذ يجوز النظر إليها لأنه يجوز لها إظهاره ثم لما أنزل الله آية الحجاب بقوله: {يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن} حجب النساء عن الرجال- إلى أن قال- وأمر أزواجه وبناته ونساء المؤمنين أن يدنين عليهن من جلابيبهن والجلباب هو الملاءة وقد حكى عبيدة وغيره أنها تدنيه من فوق رأسها فلا تظهر إلا عينها ومن جنسه النقاب فكن النساء يتنقبن وفي الصحيح أن المحرمة لا تتنقب ولا تلبس القفازين فإذا كن مأمورات بالجلباب لئلا يعرفن وهو ستر الوجه أو ستر الوجه بالنقاب كان الوجه واليدان من الزينة التي أمرت ألا تظهرها للأجانب فما بقي يحل للأجانب النظر إلا إلى الثياب الظاهرة فابن مسعود ذكر آخر الأمرين وابن عباس ذكر أول الأمرين) انتهى كلامه.

وقال رحمه الله في موضع آخر في المجلد 22 ص 114 (الوجه واليدان ليس لها أن تبدي ذلك للأجانب على أصح القولين بخلاف ما كان قبل النسخ بل لا تبدي إلا الثياب- إلى أن قال- وبالجملة قد ثبت بالنص والإجماع أنه ليس عليها في الصلاة أن تلبس الجلباب الذي يسترها إذا كانت في بيتها وإنما ذلك إذا خرجت- أي من بيتها-) أ. هـ.

وقال في موضع آخر رحمه الله (وأما وجهها ويداها وقدماها فهي إنما نهيت عن إبداء ذلك للأجانب ولم تنه عن إبدائه للنساء ولا لذوي المحارم) المجلد المذكور ص 117- 118.

وقال رحمه الله في نفس المجلد ص 148 (فالنساء مأمورات بالاستتار والاحتجاب دون التبرج والظهور ولهذا لم يشرع لها رفع الصوت في الأذان ولا التلبية ولا التجرد في الإحرام كما يتجرد الرجل- إلى أن قال- وهذا كله لما في ذلك من الاستتار والاحتجاب). أ. هـ.

وقال رحمه الله: (وأمر النساء خصوصاً بالاستتار وأن لا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن ومن استثناء الله في الآية فما ظهر من الزينة هو الثياب الظاهرة فهذا لا جناح عليها في إبدائها فإن هذه لا بدل لها من إبدائها وهذا قول ابن مسعود وغيره وهو المشهور عن أحمد وهو قول طائفة من العلماء كالشافعي وغيره وقد ذكر عبيدة السلماني وغيره أن نساء المؤمنين كن يدنين عليهن الجلالبيب من فوق رؤوسهن حتى لا يظهر إلا عيونهن لأجل رؤية الطريق). أ. هـ.

وقال رحمه الله في قوله تعالى: {والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحاً فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن} قال: فرخص للعجوز التي لا تطمع في النكاح أن تضع ثيابها فلا تلقي عليها جلباباً ولا تحتجب لزوال المفسدة الموجودة في غيرها).

وقال شيخ الإسلام رحمه الله أيضاً في موضع آخر: (وكشف النساء وجوههن بحيث يراهن الأجانب غير جائز وعلى ولي الأمر الأمر بالمعروف والنهي عن هذا المنكر وغيره ومن لم يرتدع فإنه يعاقب على ذلك بما يزجره). انتهى كلامه رحمه الله تعالى.

وقال ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين عن رب العالمين المجلد الثاني: (إن الشارع شرع للحرائر أن يسترن وجوههن عن الأجانب وأما الإماء فلم يوجب عليهن ذلك لكن هذا في إماء الاستخدام والابتذال وأما إماء التسري اللاتي جرت العادة بصونهن وحجبهن فلا يكشفن- إلى أن قال- فالحرة لها أن تصلي مكشوفة الوجه والكفين وليس لها أن تخرج في الأسواق ومجامع الناس كذلك) انتهى.

وقال رحمه الله في روضة المحبين: [ولهذا أمر النساء بستر وجوههن عن الرجال فإن ظهور الوجه يسفر عن كمال المحاسن فيقع الافتتان] أ. هـ. كلامه.

وقال رحمه الله في تهذيب السنن حول حديث ابن عمر في نهي المحرمة عن النقاب والقفازين قال: (فإن النبي صلى الله عليه وسلم سوى بين وجهها ويديها ومنعها من القفازين والنقاب ومعلوم أنه لا يحرم عليها ستر يديها فهكذا الوجه إنما يحرم ستره بالنقاب وليس عن النبي صلى الله عليه وسلم حرف واحد في وجوب كشف المرأة وجهها عند الإحرام إلا النهي عن النقاب وقد ثبت عن أسماء أنها كانت تغطي وجهها وهي محرمة وقالت عائشة رضي الله عنها كان الركبان يمرون بنا ونحن محرمات مع رسول الله فإذا حاذوا بنا سدلت إحدانا جلبابها على وجهها). انتهى كلامه.

وقال أيضاً في إعلام الموقعين رحمه الله: (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين) يعني في الإحرام فسوُّى بين يديها ووجهها في النهي عما صنع على قدر العضو ولم يمنعها من تغطية وجهها ولا أمرها بكشفه البتة ونساؤه صلى الله عليه وسلم أعلم الأمة بهذه المسألة وقد كن يسدلن على وجوههن إذا حاذوهن الركبان فإذا جاوزوهن كشفن وجوههن- إلى أن قال- أمر الله المرأة أن تدني عليها من جلبابها لئلا تعرف ويفتتن بصورتها) انتهى. وقال رحمه الله في بدائع الفوائد: (فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشرع لها كشف الوجه في الإحرام ولا غيره وإنما جاء النص بالنهي عن النقاب بل قد أجمع الناس على أن المحرمة تستر بدنها بقميصها ودرعها- إلى أن قال- وقد قالت أم المؤمنين عائشة كنا إذا مر بنا الركبان سدلت إحدانا الجلباب على وجهها ولم تكن إحداهن تتخذ عوداً تجعله بين وجهها وبين الجلباب ولا يعرف هذا عن امرأة من نساء الصحابة ولا أمهات المؤمنين البتة لا عملاً ولا فتوى- إلى أن قال- ومن آثر الإنصاف وسلك سبيل العلم والعدل تبين له راجح المذاهب من مرجوحها وفاسدها من صحيحها والله الموفق والهادي) انتهى كلامه رحمه الله تعالى.

قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري عن ابن المنذر أنه قال: (أجمعوا على أن المرأة المحرمة تلبس المخيط كله والخفاف وأن لها أن تغطي رأسها وتستر شعرها إلا وجهها فتسدل عليه الثوب سدلاً تستتر به عن نظر الرجال الأجانب) أ. هـ. كلامه.

وهذا القول بالإجماع تقدم قول ابن تيمية نحوه حيثما قال:(ثبت بالنص والإجماع أنه ليس على المرأة في الصلاة أن تلبس الجلباب الذي يسترها إذا كانت في بيتها وإنما ذلك إذا خرجت) أ. هـ. كلامه.

ومعنى هذا أنه ثابت بالنص والإجماع أن على المرأة إذا خرجت من بيتها أن تغطي وجهها وتحتجب عن الأجانب.

وقد قال السيوطي رحمه الله: (أن المرأة في العورة لها أحوال حالة مع الأجانب وعورتها كل البدن حتى الوجه والكفين). انتهى.

وقال الصنعاني في سبل السلام: (يباح كشف وجهها عند صلاتها بحيث لا يراها أجنبي وأما عورتها بالنظر إلى نظر الأجنبي إليها فكلها عورة). انتهى.

(وحكى ابن رسلان اتفاق المسلمين على منع النساء أن يخرجن سافرات الوجوه وقد نقله عنه الشوكاني في نيل الأوطار) انتهى.

وقد حكاه قبله النووي رحمه الله في (الروضة) في كتاب النكاح.

وقال العيني في عمدة القاريء (أن العمل استمر على جواز خروج النساء إلى المساجد والأسفار متنقبات لئلا يراهن الرجال). انتهى ملخصاً.

ونقل الحافظ ابن حجر عن الغزالي: (أنه قال لم تزل النساء يخرجن متنقبات) انتهى.

وقال ابن حجر أيضاً في فتح الباري ما ملخصه: (أن العمل استمر على جواز خروج النساء إلى المساجد وحاجتهن متنقبات لئلا يراهن الرجال الأجانب) انتهى كلامه رحمه الله.

وقال الصنعاني في سبل السلام أيضاً ج 2 ص 395 ما ملخصه:

(المرأة المحرمة تستر وجهها بالخمار والثوب وبغير ما ذكر- أي في المنهية عنه من النقاب- ومثله البرقع) انتهى كلامه رحمه الله. وفي نيل الأوطار شرح المنتقى (ذكر اتفاق المسلمين على منع النساء أن يخرجن سافرات الوجوه). أ. هـ. كلامه.

قال الشوكاني رحمه الله في كتاب السيل الجرار ج 4 ص 128 عن قول الله تعالى:{وليضربن بخمرهن على جيوبهن} قال: فقد ثبت عن عائشة في الصحيح أن هذه الآية لما نزلت قالت: (رحم الله نساء المهاجرات الأول لما أنزلت هذه الآية شققن مروطهن فاختمرن به) قال: أي وقعت منهن التغطية لوجوههن وما يتصل بها ومن ذلك قوله تعالى:{ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن} وقوله تعالى:{والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحاً} الآية وفي هذه الآيات أعظم دلالة على وجوب التستر عليهن- إلى أن قال- فاعرف هذا ففيه ما يغني عن الاستدلال بما لا دلالة فيه على الجواز) انتهى كلامه رحمه الله.

وقال الشيخ عبد العزيز ابن باز- رحمه الله- في كتاب تحفة الأخوان لما سئل عن ما تلبسه المحرمة قال: (النقاب لا تلبسه على وجهها وكذلك البرقع للنهي عن ذلك ولكن عليها أن تسدل الخمار أو الجلباب على وجهها عند وجود رجال أجانب لحديث عائشة قالت: (كان الركبان يمرون بنا ونحن محرمات مع رسول الله فإذا حاذونا سدلت إحدانا جلبابها على وجهها) انتهى كلامه رحمه الله. وقال رحمه الله أيضاً في مجموع الفتاوى: (الحجاب الشرعي هو أن تحجب المرأة كل بدنها عن الرجال وتحجب المرأة وجهها بالنقاب وهو الذي تبدو منه العينان أو إحداهما ويكون الوجه مستور). أ. هـ. كلامه.

وقال الشنقيطي رحمه الله في أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ج 6 قال: في قوله تعالى:{يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن} من الأدلة القرآنية على احتجاب المرأة وسترها جميع بدنها حتى وجهها فقد قال غير واحد من أهل العلم إن معنى {يدنين عليهن من جلابيبهن} أنهن يسترن بها جميع وجوههن ولا يظهر منهن شيء إلا عين واحدة تبصر بها وممن قال به ابن مسعود وابن عباس وعبيدة السلماني وغيرهم. وفي قوله تعالى:{قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين} ففي وجوب احتجاب أزواجه صلى الله عليه وسلم وسترهن وجوههن لا نزاع فيه بين المسلمين فذكر الأزواج مع البنات ونساء المؤمنين يدل على وجوب ستر الوجوه بإدناء الجلابيب) انتهى كلامه. أي أن ذكر البنات ونساء المؤمنين معطوفة على التي قبلها في الحكم والأمر لأزواجه هو الأمر للبنات ونساء المؤمنين كذلك إلى قيام الساعة في وجوب الاحتجاب عن الأجانب وليس الأمر خاص بأزواجه بل الأمر عام على جميع نساء الأمة كما دلت عليه الأدلة من الكتاب والسنة لا خلاف في ذلك والحمد لله.

وقال الشنقيطي أيضاً في أضواء البيان: (معنى قوله تعالى {وليضربن بخمرهن على جيوبهن} يقتضي ستر وجوههن وبهذا يتحقق المنصف أن احتجاب المرأة عن الرجال وسترها وجهها عنهم ثابت في السنة الصحيحة المفسرة لكتاب الله وقد أثنت عائشة رضي الله عنها على تلك النساء بمسارعتهن لامتثال أوامر الله ومعلوم أنهن ما فهمن ستر الوجوه من قوله: {وليضربن بخمرهن على جيوبهن} إلا من النبي صلى الله عليه وسلم لأنه موجود وهن يسألنه عن كل ما أشكل عليهن في دينهن فلا يمكن أن يفسرنها من تلقاء أنفسهن ومعنى هذا ثابت عن عائشة كما في صحيح البخاري وهو صريح في أن احتجاب النساء عن الرجال وسترهن وجوههن تصديق بكتاب الله وإيمان بتنزيله كما ترى فالعجب كل العجب ممن يدعي من المنتسبين إلى العلم أنه لم يرد في الكتاب ولا السنة ما يدل على ستر المرأة وجهها عن الأجانب مع أن الصحابيات فعلن ذلك ممتثلات أمر الله في هذه الايات وهذا من أعظم الأدلة وأصرحها في لزوم الحجاب لجميع نساء المسلمين كما ترى). انتهى كلامه من ج 6 رحمه الله.

وقال أبو عيسى الترمذي: باب ما جاء في احتجاب النساء من الرجال وذكر حديث ابن أم مكتوم أن أم سلمة قالت دخل علينا ونحن عند رسول الله بعدما أمرنا بالحجاب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (احتجبا منه) وهذا يدل على ما فهمه الترمذي من وجوب احتجاب النساء من الرجال الأجانب من هذا التبويب والحديثما رواه الترمذي وقال حسن صحيح ورواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان. وقوله (احتجبا) أمر والأصل في الأمر الوجوب مع ما يؤيد ذلك من الآيات والسنة.

وقال الإمام ابن الجوزي في زاد المسير في علم التفسير ج 6 قوله تعالى:{يدنين عليهن من جلابيبهن) قال ابن قتيبة: يلبسن الأردية وقال غيره: يغطين رؤوسهن ووجوههن ليعلم أنهن حرائر.

وقال ابن الجوزي كذلك في قوله: {إلا ما ظهر منها} ذكر أنها الثياب رواه أبو الأحوص عن ابن مسعود وفي لفظ آخر قال هو الرداء.

قال القاضي أبو يعلى: وهذا أشبه. وقد نص عليه أحمد فقال الزينة الظاهرة الثياب وكل شيء منها عورة حتى الظفر.

وقال ابن الجوزي في قوله:{ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن}قال ابن عباس لا يضعن الجلباب والخمار إلا لأزواجهن) انتهى كلام ابن الجوزي رحمه الله.

وقال الحافظ ابن حجر في الفتح ج 9 ص 152 على تعليقه لحديث عائشة في قصتها مع عمها من الرضاعة لما جاء يستأذن عليها بعد نزول الحجاب أذن له النبي صلى الله عليه وسلم.

والحديث متفق عليه. قال الحافظ: "وفيه وجوب احتجاب المرأة من الرجال الأجانب ". انتهى.

فصل

خامسا: القياس والاعتبار الصحيح

فقد جاءت هذه الشرعية الإسلامية الكاملة بإقرار المصالح ووسائلها والحث عليها والأمر بها وإنكار المفاسد ووسائلها والزجر عنها ومحاربتها والتحذير منها، فكل ما كانت مصلحته خالصة أو راجحة على مفسدته فهو مأمور به وكل ما كانت مفسدته خالصة أو راجحة على المصلحة فهو منهي عنه وإذا تأملنا السفور وكشف المرأة وجهها عند الأجانب وجدناه يشتمل على مفاسد كثيرة والتي يحرمها الشرع ومنها الفتنة وهذا بدون وضع ما يتجمل به النساء فإن فعلت المرأة بوجهها ما يظهره بالمظهر الجميل ويبهيه كان ذلك أشد وأعظم تحريماً وفتنة. ومن هذه المفاسد زوال الحياء عن المرأة الذي هو من الإيمان ومن مقتضيات فطرتها حيث كانت المرأة مضرب المثل في الحياء "أحي من العذراء في خدرها" ومنها افتتان الرجال بها وما يتبع ويترتب على ذلك من الشرور التي لا يعلمها إلا الله ومنها الاختلاط فإن المرأة إذا رأت نفسها مساوية للرجل في كشف الوجه والتجول سافرة ولم يحصل منها خجل وفي ذلك فتنة كبيرة وفساد عريض وغير ذلك من المفاسد.

ولو لم يكن في تحريم كشف وجه المرأة عند الأجانب إلا هذه المفاسد المحرمة لكفت المسلم العاقل الذي يرجو الله واليوم الآخر فما بالك إذا كانت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية تأمر المرأة بتغطية وجهها وستره عن الرجال الأجانب تصريحاً بذلك وتنهاها عن كشفه لهم. والله تعالى أعلم. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

فصل

وللمجوزين كشف المرأة وجهها وكفيها عند الرجال الأجانب شبه وأحاديث يرون أنها تجيز كشف وسفور المرأة عن وجهها للأجانب. وهذه الأحاديث التي يستدلون بها حديث عائشة رضي الله عنها وحديث جابر بن عبد الله وحديث ابن عباس رضي الله عنهم أجمعين كما سنوردها والجواب عنها وهذه هي الأحاديث الثلاثة ما يحتج به المجيزون لإبداء المرأة وجهها وكفيها عند الأجانب.

الحديث الأول:

حديث خالد بن دريك عن عائشة رضي الله عنها أن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما دخلت على رسول الله وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا وأشار إلى وجهه وكفيه. رواه أبو داود.

والجواب عن هذا من وجهين:

أولاً: الإرسال قال أبو داود وهو راوي الحديث هو مرسل خالد بن دريك لم يسمع من عائشة وقال أبو حاتم الرازي خالد بن دريك لم يدرك عائشة فهو مرسل.

ثانياً: أن في إسناده سيد بن بشير الأزدي مولاهم نزيل في مشق تركه ابن مهدي وضعفه أحمد بن حنبل وابن معين وابن المديني وقال أبو مسهر منكر الحديث وضعفه النسائي وقال البخاري سعيد بن بشير يتكلمون في حفظه وقال ابن حبان فاحش الخطأ وقال المنذري تكلم فيه غير واحد وقال صاحب التقريب فيه هو ضعيف.

فالحديث ضعيف لا تقوم به حجة وكل واحد من هذين الوجهين يمنع من الاحتجاج به لو انفرد فكيف وقد اجتمعا فيه جميعا.

مع أنه مردود كذلك بما ذكرنا من الأحاديث الصحيحة التي لا يقاومها والتي تدل على وجوب الحجاب وهذا الحديث معارض للآيات والأحاديث والآثار المتقدمة الصحيحة الصريحة فكلها ترد ما في حديث خالد بن دريك.

ولو قدر ثبوته مثلاً فهو محمول على قبل الأمر بالحجاب فيكون منسوخاً لما تقدم من قول وفعل عائشة وأم سلمة وأسماء بنت أبي بكر وفاطمة بنت المنذر حيث كن يغطين وجوههن عن الأجانب كما تقدم ذكر هذا. ثم أن نصوص الأمر بالحجاب ناقلة عن الأصل وما ورد فيها بجواز الكشف مبقية على الأصل والناقلة عن الأصل مقدمة على المبقية كما هو معلوم.

وأن مع الناقل عن الأصل زيادة علم وهو إثبات تغيير الحكم الأصلي والمثبت مقدم على المنفي.

وبيان ذلك أن النساء في عهد النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن تنزل آية الأحزاب وهي آية الحجاب، كن يخرجن كاشفات عن وجوههن وأيديهن فلما نزلت آية الحجاب أمر الله رسوله أن يأمر أزواجه وبناته ونساء المؤمنين بأن يدنين عليهن من الجلابيب ويسترن وجوههن وأكفهن عن الرجال الأجانب ويبدين عيناً واحدة يبصرن الطريق بها، وقد ذكر هذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

فالأصل أن النساء يكشفن وجوههن قبل الأمر بالحجاب ثم جاءت الأوامر بالقرآن والسنة بعد ذلك في الحجاب الشرعي.

الحديث الثاني:

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: (شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة يوم العيد فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة ثم أمر بتقوى الله وحث على طاعته ثم مضى حتى أتى النساء فوعظهن فقامت امرأة سفعاء الخدين- إلى تمام الحديث-). والحديث رواه مسلم وغيره. وقالوا المرأة التي قامت وهي سفعاء الخدين دليل أنها كاشفة عن وجهها.

والجواب على هذا كما يلي:

أنه ليس في هذا الحديث ولا غيره بحمد الله شيء يدل على جواز كشف المرأة وجهها عند الأجانب، وحديث جابر رضي الله عنه هذا ليس فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى تلك المرأة سافرة بوجهها وأقرها على ذلك حتى يكون فيه حجة لأهل السفور بكشف المرأة وجهها. بل غاية ما يفيده الحديث أن جابراً رضي الله عنه رأى وجه تلك المرأة وذلك لا يستلزم كشفها عنه قصداً فلعل جلبابها انحسر عن وجهها بغير قصد منها فرآه جابر وأخبر عن صفته وكم من امرأة يسقط خمارها عن وجهها من غير قصد فيراها بعض الناس في تلك الحال وكما قال نابغة الذبيان:

سقط النصيف ولم ترد إسقاطه                             فتناولته واتقتنا باليد

وقد قال الشوكاني في نيل الأوطار قال صاحب المحكم: الخمار النصيف وجمعه أخمر وخمر. أ. هـ. كلامه.

وعلى المحتج بحديث جابر هذا أن يثبت أنه صلى الله عليه وسلم رآها سافرة وأقرها على ذلك ولا سبيل له إلى إثبات ذلك. ومما على أن جابر قد أنفرد برؤية وجه المرأة تلك التي خاطبت النبي عليه الصلاة والسلام أن ابن مسعود وابن عمر وابن عباس وأبا هريرة سعيد رضي الله عنهم رووا خطبة النبي صلى الله عليه وسلم وموعظته للنساء ولم يذكر واحد منهم ما ذكره جابر من كشف تلك المرأة وصفة خديها.

فأما حديث ابن عمر وابن عباس وأبو هريرة وأبو سعيد الخدري فأخرجه مسلم وغيره ولم يذكروا في رواياتهم سفوراً ولا صفة خدين كما ذكره جابر.

وفي رواية ابن عباس قال: (فقالت امرأة واحدة لم يجبه غيرها نعم يا نبي الله لا يدري حينئذ من هي) الحديث. ولم يذكر عن تلك المرأة كشفاً للوجه ولا صفة خدين ولا عن غيرها من النسوة اللاتي شهدن صلاة العيد وكان شهود ابن عباس لصلاة العيد في آخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم.

وقال النووي في قوله: (لا يدري حينئذ من هي) معناه كثرةالنساء واشتمالهن ثيابهن لا يدري من هي. انتهى كلامه.

وأما حديث ابن مسعود رضي الله عنه فرواه أحمد وغيره ولم يذكر عن المرأة ما ذكره جابر رضي الله عنه من صفة للخدين.

فهؤلاء خمسة من الصحابة رضي الله عنهم ذكروا نحو ما ذكره جابر من موعظة النبي صلى الله عليه وسلم للنساء ولم يذكروا عن تلك المرأة ولا عن غيرها كشفا للوجه ولا صفة خدين وهذا يدل على أن جابرا انفرد برؤية وجه تلك المرأة.

ويحتمل كذلك أن جابرا ذكر سفعة الخدين ليشير إلى أنها ليست ممن شأنها الافتتان بها لأن سفعة الخدين قبح في النساء قال النووي (سفعاء الخدين أي فيها تغير وسواد). أ. هـ. كلامه. وقال الجوهري: (والسفعة في الوجه سواد في خدي المرأة). أ. هـ. كلامه.

وقال بعض أهل العلم إن قبيحة الوجه التي لا يرغب فيها الرجال لقبحها لها حكم القواعد اللاتي لا يرجون نكاحا.

ولو قدرنا مثلا أن النبي صلى الله عليه وسلم رآها وأقرها على سفور وجهها وهذا على تقدير ذلك فهو محمول على إحدى حالتين:

الأولى: إما أن يكون ذلك قبل الأمر بالحجاب وقبل نزول آية الحجاب وهي في سورة الأحزاب سنة خمس أو ست من الهجرة وصلاة العيد شرعت في السنة الثانية من الهجرة.

والحالة الثانية: أن تكون هذه المرأة من القواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحاً فيكون إذاً كشف وجهها مباح ولا يمنع هذا وجوب الحجاب على غيرهما من الشواب اللاتي يرجون نكاحاً.

الحديث الثالث:

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (أردف رسول الله صلى الله عليه وسلم الفضل بن عباس يوم النحر خلفه على عجز راحلته وكان الفضل رجلا وضيئاً فوقف النبي صلى الله عليه وسلم للناس يفتيهم وأقبلت امرأة من خثعم وضيئة تستفتي رسول الله فطفق الفضل ينظر إليها فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم والفضل ينظر إليها فأخلف بيده فأخذ بذقن الفضل فعدل وجهه عن النظر إليها - ثم ذكر تمام الحديث) رواه البخاري ومسلم. وقالوا كونها وضيئة دليل أنها كاشفة عن وجهها.

فالجواب عن هذا أنه ليس فيه بحمد الله حجة ودلالة على كشف المرأة عن وجهها عند الأجانب وذلك من وجوه:

أحدها: أن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما لم يصرح في حديثه بأن المرأة كانت سافرة بوجهها وأن النبي صلى الله عليه وسلم رآها كذلك وأقرها حتى يتم الاستدلال به على جواز سفور المرأة عن وجهها عند الأجانب وليس في روايات الحديث شيء من ذلك وغاية ما في الحديث أنها كانت وضيئة وذكر في رواية أخرى أنها حسناء ومعرفة كونها وضيئة أو حسناء لا يستلزم أنها كانت كاشفة عن وجهها عمداً وبقصد بل قد ينكشف عنها خمارها من غير قصد منها فيراها بعض الرجال فجاءة فيصف ما رأى من الوضاءة ونحوه وتقدم حديث نظر الفجاءة فقال رسول الله (أصرف بصرك) من حديث جرير رضي الله عنه.

ويحتمل كذلك أنه أراد وضاءة ما ظهر من أطرافها ولا سيما أن المحرمة منهية عن القفازين والنقاب ويحتمل أنه أراد بالحسن حسن قوامها وقدها وذلك أن المرأة قد يُعرف حسنها من رؤية بنانها كما هو معلوم وهي مختمرة وقد قال الشاعر:

طافت أمامة بالركبان آونة                        يا حسنها من قوام ما ومنتقبا

فقد بالغ في حسن قوامها مع كونه مستوراً بالثياب لا منكشفاً.

الوجه الثاني: أن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما لم يكن حاضراً حين كان أخوه الفضل ينظر لأنه كان ممن قدمه رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الضعفة بليل كما ثبت عنه فى الصحيحين وروايته للقصة إنما كانت من طريق أخيه الفضل بن عباس ولم يقل له أن المرأة كانت كاشفة عن وجهها بتصريح له بذلك وإنما رأى الفضل منها ما ذكر لأخيه بغير قصد منها ولا تعمد وذلك بانحسار الخمار والثوب يحدث لبعض النساء أحياناً وخاصة المحرمة كما هو الحال في هذه المرأة فإن المحرمة منهية عن النقاب وعليها كشف الوجه عند عدم وجود الأجانب كما تقدم ذكره عن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهن.

الوجه الثالث: إن الذين شاهدوا قصة الفضل والخثعمية لم يذكروا حسن المرأة ووضاءتها ولم يذكروا أنها كانت كاشفة عن وجهها فدل ذلك على أنها كانت مستترة عنهم. ففي المسند والترمذي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: (وقف النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة فذكر الحديث وفيه- وأردف الفضل واستفتته جارية شابة من خثعم قال ولوى عنق الفضل فقيل له لما لويت عنقه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رأيت شاباً وشابة فلم آمن الشيطان عليهما). قال الترمذي حديث حسن صحيح.

فلم يذكر علي رضي الله عنه حسن المرأة ووضاءتها. وكذلك تعليله صلى الله عليه وسلم خوف الفتنة بشباب المرأة إشعار بأنها لم تكشف وجهها بمرأى من النبي صلى الله عليه وسلم وأنه لم يرى ما رآه الفضل من الحسن وإلا فالحسن ادعى إلى الفتنة من الشباب والتعليل بالحسن والوضاءة أقوى من التعليل بالشباب ولما لم يعلل النبي صلى الله عليه وسلم بذلك دل على أنها كانت ساترة لوجهها. وكذلك ممن شاهد القصة جابر رضي الله عنه ففي مسلم وغيره عن جابر في حديثه الطويل في صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وأردف الفضل وكان رجلاً حسن الشعر أبيض فلما دفع النبي مرت به ظعن يجرين فطفق الفضل ينظر- وذكر تمام الحديث-) فلم يذكر جابر في حديثه حسن ووضاءة المرأة فدل ذلك على أن الفضل رآها وحده وانفرد بذلك دون غيره من الناس.

الوجه الرابع: أن المرأة هذه محرمة وإحرام المرأة في وجهها وكفيها أي أنها منهية عن لبس ما وضع وفصل على قدر الوجه كالنقاب وما وضع بقدر الكفين كالقفازين فعليها كشف وجهها إن لم يكن أجانب يرونها وعليها ستره عن الرجال بالجلباب أو الثوب ولو كانت محرمة كما هو معروف وعليه العمل عن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وتقدم ذكر الآثار عن عائشة أم المؤمنين وعن أسماء بنت أبي بكر وغيرهن من نساء الصحابة رضي الله عنهم أجمعين وأجمع المسلمون على ذلك وكما تقدم ذكر الإجماع عن شيخ الإسلام ابن تيمية وعن ابن المنذر وغيرهم من أهل العلم من السلف وقد ذكرناه فيما سبق.

فهذه المرأة التي انفرد الفضل برؤيتها دون غيره ووقع بصره عليها فجأة كشفت عن وجهها إذاً لإحرامها لا لجواز السفور عند الأجانب.

الوجه الخامس: على تقدير أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى وهذا بعيداً جداً ولكن بتقدير ذلك فإن النبي لم يقرها على هذا وأمرها بعد ذلك بالتستر فإن عدم نقل أمره صلى الله عليه وسلم بذلك لا يدل على عدم الأمر إذ عدم النقل ليس نقلاً للعدم. هذا ما أستدل به على جواز كشف المرأة وجهها عند الأجانب من الأدلة وقد بينا أنها لا حجة فيها على ذلك والحمد لله رب العالمين.

وقد استدلوا كذلك بما رُوي عن ابن عباس في قوله: {إلا ما ظهر منها} قال الوجه والكفين. فالجواب عنه بينا هذا في أدلة القرآن حيث قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن قول ابن عباس هذا (أن مراده أول الأمرين قبل نزول آية الحجاب في سورة الأحزاب حيث كان النساء قبلها يكشفن وجوههن وأكفهن ويخرجن كذلك فلما نزلت الآية حُجب النساء عن الرجال وأمرن بتغطية وجوههن عن الرجال بالجلابيب) وقد نقلنا كلامه آنفاً حول هذه الآية رحمه الله هذا من وجه.

الوجه الثاني: حول تفسير ابن عباس هذا أن ابن كثيرقال فيه: (يحتمل أن مراد ابن عباس الزينة التي نهين عن إبدائها كما قال أبو إسحاق السبيعي عن أبي الأحوص عن عبد الله قال الزينة زينتان فزينة لا يراها إلا الزوج الخاتم والسوار وزينة يراها الأجانب وهي الظاهرة من الثياب) انتهى كلام ابن كثير.

الوجه الثالث: بالجواب عن قول ابن عباس رضي الله عنهما هذا، أن تفسير ابن عباس لقوله تعالى:{يدنين عليهن من جلابيبهن} حيث قال: (أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عيناً واحدة) وتفسيره هنا رضي الله عنه يؤيد قول شيخ الإسلام ابن تيمية المتقدم. ويؤيد الاحتمال الذي ذكره ابن كثير في تفسيره ويقويه ويوافق تفسير غيره من الصحابة من تغطية الوجه والكفين.

الوجه الرابع: أن تفسير ابن عباس:{إلا ما ظهر منها} بالوجه والكفين لا يكون حجة يجب قبولها إلا إذا لم يعارضه صحابي آخر فإن عارضه صحابي آخر أخذ بما ترجحه الأدلة الأخرى وتفسير ابن عباس هذا قد عارضه تفسير ابن مسعود حيث قال:{إلا ما ظهر منها} الرداء والثياب وما لا بد من ظهوره وما لا يمكن إخفاؤه. فوجب الأخذ والعمل بتفسير ابن مسعود الذي ترجحه الأدلة والنصوص الأخرى والآثار المتقدمة.

والعمل الذي كان عليه النساء في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من بعده من تغطية الوجوه والأكف عن الأجانب بالملاءة أو بالنقاب والقفازين كما جاءت بذلك النصوص.

الوجه الخامس: أن قول ابن عباس {إلا ما ظهر منها} الوجه والكفين مبقي على الأصل. وتفسيره لآية الحجاب بقوله: (أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن أن يغطين وجوههن) ناقل عن الأصل والناقل عن الأصل مقدم لأن الأصل بقاء الشيء على ما كان عليه فإذا وجد الدليل الناقل عن الأصل دل ذلك على طروء الحكم على الأصل وتغييره له فيكون مع الناقل عن الأصل زيادة علم وهو إثبات تغيير الحكم الأصلي. فوجب الأخذ بقول ابن عباس في تفسيره لآية الحجاب لأنه ناقل عن الأصل لموافقته الأدلة الأخرى من القرآن والسنة وأقوال الصحابة والعمل الذي كان عليه أزواج النبي ونساء الصحابة من تغطية لوجوه النساء عن الرجال الأجانب والله أعلم. وبالجملة فإن المتجرد للحق والمنصف يعلم أن الواجب هو ستر الوجه والكفين عن الأجانب ويعلم أنه يبعد كل البعد أن يأذن الشارع للنساء في كشف وجوههن أمام الرجال الأجانب وكما هو معلوم أن الوجه هو أصل الجمال ومليكه وسفوره أمام الرجال الأجانب أعظم مثير للغريزة البشرية وأعظم راع إلى الشر والفتنة وحكمة الشرع تأبى أن يرخص في كشف من هذه صفاته وتوجب ستر ما هو أقل منه فتنة- كالقدمين- فإن هذا من التناقض المستحيل على حكمة الله وشرعة المطهر والذي لا يقول به عاقل. والله تعالى أعلم والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله وسلم.

وأنه مما ينبغي على مريد الحق أن يستدل قبل أن يعتقد ليكون اعتقاده تابعاً للدليل لأن من اعتقد قبل أن يستدل قد يحمله اعتقاده على رد النصوص المخالفة لاعتقاده أو تحريفها إذا لم يمكن ردها. وعليه- مريد الحق- التجرد والأخذ بالأدلة من القرآن والسنة وعلى فهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان المخالفين له والضالين عن سبيل الله أكثر في هذا {وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن} الآية.

قال ابن القيم رحمه الله في إعلام المرقعين المجلد الرابع (ليس للمفتي إذا سئل عن آية أو سنة أن يخرجها عن ظاهرها بوجوه التأويلات لموافقته هواه ونحلته- إلى أن قال- وهذا هو الذي صرح به أئمة الإسلام قديماً وحديثاً) انتهى كلامه.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (من فسر القرآن والحديث وتأوله على غير التفسير المعروف عن الصحابة والتابعين فهو مفتر على الله محرف للكلم عن مواضعه) أ. هـ. كلامه.

والتعصب للرأي الخاطيء والجهل يحملان صاحبهما على البلاء والهلاك وتصحيح أحاديث ضعيفة وتحميل نصوص صحيحة ما لا تتحمله من الدلالة تثبيتاً لقوله واحتجاجاً له.

قال ابن القيم رحمه الله:

وتعرَّ من ثوبين من يلبسهما                   يلقى الردى بمذلة وهوان

ثوباً من الجهل المركب فوقه                  ثوب التعصب بئست الثوبان

وتحل بالإنصاف أفخر حلة                    زينت بها الأعطاف والكتفان

أسأل الله القدير أن يوفقنا أجمعين لاتباع الحق والسُنة وأن يجنبنا الضلال والبدعة.

وهذا آخر ما تيسر جمعه وكتابته وأسأل الله العلي العظيم أن ينفع به.

وقد كان الفراغ من كتابته في يوم الأربعاء شهر رجب 1420 هـ.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله وبارك على نبينا ورسولنا محمد وعلى آله وسلم.

كتبه من يرجو من الله المثوبة

حسن بن تركي بن سعد الشيخ